إعداد / محمـــد الدكــــرورى
ونكمل الجزء التاسع عشر مع ترجمان القرآن، وقد قال ابن الأثير الجزري أن هذه الرواية الثانية أصح، وإنما كان الذي شهد صلح الحسن، هو عبيد الله بن عباس وليس عبد الله، وقد قام عبد الله بن عباس باستخلاف عبد الله بن الحارث بن نوفل، على البصرة ومضى إلى الحجاز، ولمّا جاء الكتاب بموت الحسن بن علي، كان ابن العباس عند معاوية فعزاه، وبعث ابنه يزيد فعزاه، وقد كان ابن عباس محبا للحسن والحسين، وكان يُمسك الركاب للحسن والحسين ويُسوي لهما، فقال له مدرك أبو زياد " أنت أكبر منهما تمسك لهما وتسوي عليهما " فقال ابن عباس " يا لكع، أتدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوليس هذا مما أنعم الله علي به أن أمسك لهما وأسوي عليهما"
ولما أخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية امتنع ابن عباس عن مبايعته، هو والحسين وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عمر، ولما مات معاوية وعزم الحسين الخروج إلى العراق نهاه ابن عباس أشد النهي، وقال "يا ابن عم، إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيِّن لي ما أنت صانع؟ "فقال الحسين" قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى" فقال له ابن عباس "أخبرني إن كان عدوك بعد ما قتلوا أميرهم، ونفوا عدوهم، وضبطوا بلادهم، فسر إليهم، وإن كان أميرهم حيا وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس، ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك"
فقال الحسين "إني أستخير الله وأنظر ما يكون" وجاء ابن عباس إلى الحسين اليوم التالي فقال " يا ابن عم إني أتصبر ولا أصبر، وإني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، وإن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن، فإن به حصونا وشعابا، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس بمعزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب "فقال الحسين" يا ابن عم، والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير "فقال له بن عباس" فإن كنت ولا بد سائرا فلا تسر بأولادك ونسائك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.
فوالله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع عليَّ وعليك الناس أطعتني وأقمت لفعلت ذلك " وقد أورد هذا الخبر ابن الأثير الجزري، وقد أورد أيضا محمد بن جرير الطبري رواية مشابهة، ثم جاءه مرة أخرى قبل خروحه، وقد نصحه فأبى إلا الخروج، فقال له ابن عباس "لولا أن يزري بي وبك، لنشبت يدي في رأسك"فقال الحسين" لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلى من أستحل حرمتها وهو يعني مكة المكرمة، فقال ابن عباس فيما بعد "وكان ذلك الذي سلى نفسي عنه" وكان حينها كتب يزيد بن معاوية كتابا إلى عبد الله بن عباس، وهو شيخ بني هاشم حينئذ، قائلا له " نحسب أن رجالا أتوه من المشرق فمنوه الخلافة، فإنهم عندك منهم خبرة وتجربة.
فإن كان فعل فقد قطع واشج القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة "وكتب له مجموعة أبيات أشار فيها إلى خوفه من أن يحدث بينه وبين الحسين مصادمة، فكتب إليه ابن عباس " إني لأرجو أن لا يكون خروج حسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما يجمع الله به، الألفة وتطفى بها الثائرة " وكان في العاشر من شهر الله المحرم فى العام الواحد وستين من الهجره، قد قتل الحسين في معركة كربلاء، فلمَّا بلغه موته حزن عليه حزنا شديدا ولزم بيته، وقال "يا لسان قل خيرا تغنم، واسكت عن شر تسلم، فإنك إن لا تفعل تندم" وقد رُوي عن ابن عباس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، في المنام في اليوم الذي قتل فيه الحسين.

تعليقات
إرسال تعليق