إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء السابع مع داهية العرب، ولقد أدرك عمرو بن العاص رضي الله عنه بعدما رأى انتصارات الدعوة الإسلامية أنه دين الحق، وأن دين آباءه هو دين الباطل والضلال، فقدم مع رفيقه سيف الله القائد خالد بن الوليد في السنة الثامنة للهجرة إلى النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في المدينة المنورة مسلما لله تعالى، ومؤمنا بدعوة الإسلامن ولقد كان عمرو بن العاص رضي الله عنه صحابيا محنكا، فلم تمض بضعة أشهر على إسلامه، حتى ولاه النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، على سرية ذات السلاسل التي أعدت خصيصا لحرب قضاعة، وقد أبدى عمرو بن العاص في قيادة تلك المعركة حنكة وسياسة قلّ نظيرها، وأدت إلى تحقيق النصر لصالح المسلمين.
فمنع عمرو المسلمين المشاركين في تلك السرية من إيقاد النار من أجل التدفئة معللا سبب ذلك بأن لا يرى العدو قلتهم فيتجرأ عليهم، كما أنه نهى عن تعقب جيش الكفار الذى ولى هاربا من أرض المعركة معللا ذلك بالخوف من مكيدة العدو أو حذرا من أن يكون لهم مدد قادم، وحينما علم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، بصنيع عمرو استحسنه وفرح لذلك، وكان عمرو بن العاص مجتهدا في مسائل الدين والشريعة، ففي سرية ذات السلاسل احتلم عمرو ذات ليلة فخشي إن اغتسل أن يهلك، فاكتفى بالتيمم، ثم صلى بالناس صلاة الصبح، فأخبر الصحابة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، بذلك، فسأله عن سبب فعله؟ فقال، إني خشيت أن اغتسل فأهلك من شدة البرد.
والله يقول في كتابه الكريم فى سورة النساء " ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما " فضحك النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، من رده هذا ولم ينكرعليه، ولقد كانت صفة الدهاء هى أعظم صفة لعمرو بن العاص رضي الله عنه، حيث اشتهر عنه أنه أدهى العرب، وتمثل دهاؤه في عدة مواقف ومن بينها هو موقف التحكيم حينما كان رسولا يمثل جيش معاوية بن أبي سفيان مقابل جيش الإمام علي رضي الله، حيث قام بمناورة سياسية مع أبي موسى الأشعري ممثل جيش الإمام علي رضي الله عنه أدت إلى ترجيح كفة جيش معاوية بن أبى سفيان، على جيش الإمام علي بن أبى طالب رضى الله عنه، في معركة صفين، وهكذا عُرف عمرو بن العاص رضى الله عنه، بالدهاء والذكاء والفطنة قبل الإسلام وبعده.
حتى وُصف بأدهى العرب أو داهية العرب، ويقول الذهبي عن عمرو بن العاص، هو داهية قريش، ورجل العالم، ومن يُضرب به المثل في الفطنة، والدهاء، والحزم، وقد لقبه عمر بن الخطاب في معركة أجنادين بأرطبون العرب، وقال "لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عما تنفرج" ويقصد بذلك أن كلا القائدين أدهى الرجال في قومه، وعن قبيصة بن جابر قال "صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أنصع طرفا منه ولا أكرم جليسا ولا أشبه سريرة بعلانية منه" ولقد كان لعمرو بن العاص أحاديث ليست كثيرة، تبلغ بالمكرر نحو الأربعين، وقد اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، وقد روى عمرو بن العاص.
عن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وعن السيدة عائشة رضى الله عنها، وعن أخيه هشام بن العاص، وأبي بكر الصديق، ومعاوية بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة، وقد حدَّث عنه ابنه عبد الله، وقد حدث عنه أيضاعن مولاه أبو قيس، وقبيصة بن ذؤيب، وغيرهم الكثير والكثير، وقد اشتهر عمرو بن العاص ببلاغته وفصاحته، ورصانة شعره، وله من الخطب الكثير، حيث كان يخطب خطبة الجمعة في مسجده بالفسطاط طوال فترة ولايته لمصر، وروى أنه كان حكيما، كاتبا قارئا، بليغا في نثره ونظمه، وقد رُويت له آثار في الشعر والخطب الطوال، وكان الخليفه عمر بن الخطاب رضى الله عنه، إذا رأى الرجل يتلجلج في كلامه قال سبحان الله خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.

تعليقات
إرسال تعليق