بقلم زكريا عيد
في البداية
يسلط الغرب دائمًا الضوء على النزاعات، و الحركات الإنفصالية في الشرق الأوسط الساعية للاستقلال، ولاسيما في المناطق العربية، وكثيرًا من دول أوروبا الغربية تدعم هذه الحركات تحت ستار الديموقراطية، و حق تقرير المصير حتى لو على حساب وحدة الدول، وتقسيم هويتها، وتجزئة كيانها، وقد مرت الدول العربية بكثير من الحركات الانفصالية منها ما نجح وتم بالفعل كاستقلال جنوب السودان، ومنها ما ما يهدأ تارةً ويعود للهيجان تارةً أخرى.
وعلى سبيل المثال:
نذكر قائمة من الحركات الانفصالية المنادية بالحكم الذاتي في الوطن العربي بغير إسهابٍ؛ لنتطرق لموضوع المقال، ومن هذه الحركات:
إقليم كردستان بالعراق المنادي بالحكم الذاتي والانفصال عن الجمهورية العراقية، وفي اليمن توجد رابطة الجنوب اليمني المطالبة بإعادة الانفصال الذي كان بين الجنوب والشمال،وفي الصومال نجد حركة أرض الصومال يعلو صوتها الإنفصالي ،بينما في المغرب يصرخ سكان الصحراء الغربيةعالياً بقيادة سياسية متمثلة بحزب "جبهة البوليساريو" وقيادة مسلحة وهو "جيش التحرير الصحراوي"، وتنادي حركة في الشمال السوري للإستقلال أيضا، وهذا في الدول العربية على سبيل المثال لا الحصر.
ولكن دائما يُسلَّط الضوء على هذه الحركات بالتحديد في مناطقنا العربية؛ ولأجل ذلك أردنا في هذا المقال تسليط الضوء على الحركات الانفصالية في دول أوروبا الغربية وفيما يلي عرض أشهر دعوات الحكم الذاتي المنادية بالاستقلال:
1_إقليم كتالونيا في إسبانيا
(أشهر وأعلى الأصوت الانفصالية وأقربها إلي حلمه)
حيث لا يوجد مكان في أوروبا الغربية ينادي بالاستقلال بصوت عال كما هو الحال في كاتالونيا و قد ساهم اضطهاد الجنرال فرانكو لشعب كاتالونيا في بداية القرن العشرين في زيادة النزعة الانفصالية لشعب هذا الإقليم، ويرفض المواطنون هناك وصفهم بأنهم مواطنون إسبان، ونجحت كاتالونيا على مر التاريخ بالوصول إلى درجة كبيرة من الاستقلال الثقافي والسياسي، بما في ذلك البرلمان الإقليمي.
إلا أن حوالي 5.7 مليون كاتالوني لا يعتقدون أن هذا كافٍ لهم، بل يريدون الانفصال، وتكوين دولة خاصة بهم، وذلك؛ لأسباب اقتصادية بالأساس، ويقولون بأنّ كاتالونيا الغنية تم استنزافها من قبل الدولة الاسبانية، ويوجد حوالى عشرون بالمائة من إجمالي الناتج المحلى الإسباني في المنطقة الشرقية حول برشلونة، وأرسىٰ قانون تبناه برلمان كاتالونيا الاربعاء (30 سبتمبر/ أيلول 2017) "نظاما قضائيا استثنائيا؛ لتنظيم استفتاء تقرير المصير هناك، إلا أنّ النيابة العامة الإسبانية أعلنت من جهتها أنها ستباشر ملاحقات قضائية بحق قادة إقليم كاتالونيا؛ إثر دعوتهم لاستفتاء حول حق تقرير المصير مضيفة أنه ستتم مصادرة معدات انتخابية جهزت لهذا الاستفتاء.
2_إقليم بافاريا في ألمانيا الإتحادية:
يرغب البافاريين حقًا في إقامة دولة خاصة بهم، وتحمل الولاية اسم "Freistaat" أي " ولاية بافاريا الحرة" في الوثائق الرسمية، وتعتبر منطقة بافاريا_التي عاصمتها مدينة ميونخ_ الإقليم الألماني الوحيد الذي لديه حزب يمثله في البرلمان، حيث يتحالف الحزب "الاتحاد المسيحي الاجتماعي" مع حزب "الاتحاد المسيحي الديمقراطي" الذي تقوده المرأة الحديدية المستشارة أنغيلا ميركل، وإذا أرادت الولاية الانفصال عن ألمانيا فإنها تستطيع الاعتماد على نفسها، إذ أنها تملك اقتصادا قويا، فهو ثاني أقوى إقتصاد في الأقاليم الألمانية، و ضمن أفضل عشرة أقاليم في أوروبا في الإزدهار الإقتصادي، والتنمية الإقتصادية، كما أنها الولاية الأكبر مساحة ضمن الولايات الألمانية، وبعدد سكان يفوق ثلاثة عشر مليونًا، أي أكثر من عدد سكان دول مثل السويد أو البرتغال، وقد ظهرت بعض البوادر الانفصالية السياسية مثل ما نادى به السياسي من "الحزب المسيحي الاجتماعي" فيلفريد شارناغيل، والذي أصدر كتابا عام 2012 بعنوان "بافاريا تستطيع العيش وحدها"، إلا أنه لغاية اليوم لم تظهر حركات سياسية كبيرة تتبنى هذا النهج لا سيما مع تراجع البافاريين تدريجياً في مطالبتهم بالحكم الذاتي، والراجح في ذلك هو صمود، وتماسك ذات الأصل الآري_ ألمانيا الاتحادية_ أفضل الدول الأوروبية إقتصاداً وازدهاراً.
3_كورسيكا في فرنسا:
تتمتع هذه الجزيرة المتوسطة بوضع خاص حيث تعتبر هي الوحيدة فى فرنسا من خارج أقاليم ما وراء البحار التي تحظى بمزيد من السلطات بعيدًا عن السلطات الفرنسية، وقد حاولت فرنسا التخلص من اللغة الكورسيكية في المدارس، والحياة العامة في الجزيرة، إلا أنها فشلت، وبعد عقود من الصراع أعلنت المنظمة المسلحة السرية "جبهة التحرير الوطنى فى كورسيكا"، في يونيو 2014 التخلي عن السلاح من أجل تعزيز العملية السياسية، لكن احتمالات الصراع مازالت قائمة، وتخشى السلطات الفرنسية من مطالبة أقاليم فرنسية أخرىٰ مثل "بريتانى" أو "الألزاس" بالانفصال، وهو ما تعتبره خطرًا على وحدة البلاد.
4_بادانيا في إيطاليا:
هي حركة انفصالية بشمال إيطاليا تأسست عام 1989، وسميت برابطة الشمال؛ لاستقلال "بادانيا" ، وهي حركة اقتصادية بحتة، وتنادي تلك الحركة باستقلال الشمال الإيطالي وبخاصة كل من مناطق ( لومباردي، أوستا، بيدمونت، ليغوريا، فينيتو وإميليا رومانيا) والتي تحتوي على تجمع رأس المال، والأذرع الاقتصادية مثل: البنوك والمؤسسات، ويعتقد الشماليون أن وسط وجنوب البلاد يبددون المال الذي يكتسبونه بشق الأنفس، وفي فترة التسعينات أراد حزب ليجا نورد الانفصال الكامل، وقد اصبح التوتر السياسي اكثر ميلا إلى الهدوء حاليا، إلا أنّ القلق مازال يراود بقية المناطق الإيطالية؛ لتركز رأس المال في الشمال بدلًا من تركزه في العاصمة روما.
5_جنوب تيرول في أيطاليا:
في جنوب تيرول بإيطاليا تلعب العوامل الاقتصادية والسياسية والتاريخية والثقافية جميعها؛ من أجل الانفصال عن إيطاليا، وقبل الحرب العالمية الأولى كانت تنتمي هذه المنطقة إلى النمسا والمجر، لكنها أصبحت جزءً من إيطاليا، في نهاية الصراع على الهيمنة على هذه المنطقة الهامة، ويتحدث 70% من الذين يعيشون في جنوب تيرول اللغة الألمانية، ويطالب سكان هذا الإقليم بالاستقلال عن إيطاليا منذ استعمارها، إلا أن الحزب المحلي فشل في التحول إلى حركة سياسية قوية يمكنها أن تأخذ خطوة مثل إجراء استفتاء، واكتسبت المنطقة المزيد من الأهمية وذلك؛ بسبب العائدات الاقتصادية الجيدة، خاصة بعد تراكم الديون على إيطاليا، والتي تعتبر الدولة صاحبة الأكثر مديونية أوروبيا بعد اليونان، مما أدىٰ الى إثارة مخاوف سكان تيرول من تأثرهم اقتصاديًا بتلك الديون.
6_فلاندرز في بلجيكا:
في الانتخابات البرلمانية البلجيكية الأخيرة لعام 2014، أصبح التحالف الفلمنكي الجديد برئاسة بارت دي فيفر Bart De Wever في المناطق الفلمنكية (مقاطعة فلانديرز)، وقد وجدت بلجيكا نفسها منذ استقلالها عن هولندا سنة 1830 مقسمة اجتماعيًا وسياسيًا، بين القومية الفلامنكية (القريبة إلى الهولندية) واللاتينية، التي تتحدث باللغة الفرنسية،
ويعتقد السياسي البلجيكي بارت دي فيفر أنّ بلجيكا بشكلها الحالي مآلها إلى الزوال، وهو يريد الانفصال، وتكوين مقاطعة مستقلة، وإذا تم الانفصال فإنّ بلجيكا ستفقد أكثر من نصف سكانها، وستكون القضية الرئيسية ماهية وضع العاصمة بروكسل، والتي هي مقر الاتحاد الأوروبي، ومقر الناتو.
7_إسكتلندا في المملكة المتحدة:
رغم أنّ عمر الاتحاد بين اسكتلندا وبقية المملكة المتحدة يبلغ حوالي 300 عام، إلا أنّ الاسكتلنديين ظلوا يسعون؛ جاهدين من أجل المزيد من الحكم الذاتي منذ فترة طويلة، ويطالب الحزب الوطني الاسكتلندي بالحكم الذاتي الكامل؛ حيث أن لديهم بالفعل برلمان خاص بهم، وفي عام 2014 وافقت لندن على تنظيم استفتاء مستقل؛ من أجل تحديد مصير الاتحاد حيث صوتت غالبية الاسكتلنديين ضد الانفصال،إلا أن نتائج البريكست البريطاني عام 2016، وما تبعه من مطالبة بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، أثار النزاع مجددًا بين إسكتلندا الراغبة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، وبين بقية المناطق البريطانية الراغبة بالانفصال، وهناك توجه في الإقليم؛ لإجراء استفتاء ثانٍ؛ لتحديد مصير الروابط المستقبلية.
خاتمة...
والجدير بالذكر أن الحركات الإنفصالية تعرف على أنها حركات اجتماعية سياسية يطالب أتباعها بالانفصال عن الدولة الأم لاختلاف القومية او العناصر الثقافية والتاريخة وقد تكون مسألة عرقية او دينية وفي الأعم الأغلب تكون الحركات الإنفصالية قوية كلما زاد نسبة المنادون بها في الدولة وكان لهم تأثير سياسي وأيضا كلما اختلفت وتميزت هويتهم عن هوية البلد المقيمين فيه وزاد تهميشهم وقلة مشاركتهم في إدارة شئون البلاد والتضييق على حقوقهم السياسية والاجتماعية،والعكس من ذلك تماماً فكلما كانت الدولة أكثر مرونة وتسامحاً واستيعاباً لحقوق ومتطلبات الأقليات وكلما تقاربت هوية الإنفصاليين بهوية البلد الأصلي كلما قل حدة الحركات الإنفصالية واندمجت قوميتها وهويتها وانغمست في ثقافة الدولة الأم.

مميز كالعادة ❤️
ردحذفطريقتك في عرض الموضوع شيقة قوي♥️
ردحذف♥️♥️
ردحذف