إعداد / محمـــد الدكـــرورى
لقد أقام الإسلام المجتمع المسلم على أسس متينة قوية، ولذا أهتم بأمر الشورى، واعتنى بها في حياة الإنسان الفردية والجماعية، إذ الإنسان بطبعه مضطر للآخرين، وكونه يفكر بعقول متعددة خير من أن يكون التفكير بقلب واحد، ولهذا فللشورى أهمية في حياة المسلم، والمواقف التي تمر به، ومن تدبر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رأى للشورى أمرا عظيما، وشأنا كبيرا، وإننا نعاني اليوم من التشتت في كثير من آرائنا، والتناقض في واقع حياتنا، والاضطراب في حل مشاكلنا، بسبب بعدنا عن هذا المنهج الإسلامي الأصيل، وهذا المبدأ المهم مبدأ الشورى، فكل واحد منا لا يشاور إلا نفسه ونفسه فقط، فتجد الوالد في البيت ربما لم يضع مسألة واحدة على أولاده في يوم من الأيام ليرى رأيهم فيها، وكل ما عنده قرارات فقط وما عليهم إلا التنفيذ فقط، وهكذا تجد الأم هي من تتصرف، وهي من تأمر، ولا تشاور بناتها في أمور البيت واحتجاجاته، وإذا وضعت عليهن الرأى فإنما هو للعلم فقط وليس للشورى.
بل ربما يحصل من الوالدين وهو الأطم ضررا والأعظم تعديا أن يزوجوا الابن أو البنت بدون استشارته وأخذ رأيه، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا يا رسول الله كيف إذنها قال " أن تسكت" رواه البخارى ومسلم، ومعنى تستأمر، أى يطلب أمرها وتشاور، وهكذا لو نظرنا إلى الوضع في أمورنا التربوية والتعليمية ومناهجنا فى الحياة تجد أن هذا النهج قد غاب عنا إلا من رحم الله، مع أننا لو تأملنا واقع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب جانب الشورى لوجدنا عجبا عجابا، فقد كان صلى الله عليه وسلم يشاور في كثير من الأمور فشاور في بدر عندما شاورهم في الخروج للقتال، وشاوره الحباب بن المنذر في تغيير المكان الذي نزلوا فيه فغيره صلى الله عليه وسلم حينما أدرك صواب رأيه، كما شاورهم صلى الله عليه وسلم في أسرى بدر، وكذلك في معركة أحد استشار الناس جميعا في الخروج لملاقاة الاعداء أو البقاء في المدينة لأن الأمر يهمهم جميعا.
وأشار عليه البعض بالخروج والبعض بالبقاء، وكان عامة الرأي على الخروج فخرج وإن كان ذلك مخالفا لرأيه صلى الله عليه وسلم، وفي غزوة الخندق عندما أراد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يعطي غطفان ثلث ثمار المدينة شريطة ألا يقاتلوا المسلمين، ويعودوا إلى بلادهم، وبعث لأجل ذلك إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة رضي الله عنهما يستشيرهما، فقالا له قبل أن يبديا رأيهما "يا رسول الله, أمرا تحبّه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا" فقال صلى الله عليه وسلم "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عليكم من شوكتهم إلى أمر ما" فأشارا عليه وخالفاه وأخذ برأيهما، وقبل هذا استشارهم في كيفية مواجهة هذا التحالف العسكري الكفري على المسلمين، فأشار عليه سلمان رضي الله عنه بحفر الخندق، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير ويُستشار في الأمور الخاصة.
فقد استشار علي بن أبي طالب رضى الله عنه كما هو معروف في أزمة حديث الإفك، وقد استشارته السيدة فاطمة بنت قيس في أمر زواجها، وقد طلبها رجلان وهما معاوية، وأبو جهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية، فصعلوك لا مال له" وأشار عليها بأن تتزوج من أسامة بن زيد، وكذلك أيضا الشورى في حياة الأسرة، فالحياة الأسرية لا بد أن تقوم على أساس من التشاور والتراضي منذ بداية تكوينها ولهذا يرفض الشرع أن يستبد الأب بتزويج ابنته دون أن يأخذ برأيها، بل إن السنة رغّبت في أن يستشير الأب زوجته في أمر زواج البنات لأنها أقرب منه إليهن، فقد ورد في الحديث الذي رواه أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آمروا النساء في بناتهن" وحتى بعد بناء الأسرة ينبغي أن يستمر التفاهم والتشاور بين الزوجين، وكم من امرأة كان رأيها خيرا وبركة على أهلها، وقد سطر لنا التاريخ بأحرف من نور مواقف أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها.
في أول ساعات الوحي، وكم كان دورها عظيما في تثبيت قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى لو قدر للزوجين أن ينفصلا لا بد من أن يستمر التشاور فيما يتعلق برضاع الأولاد وفطامهم، فقال الله تعالى فى سورة البقرة " فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما" فالشورى أصل هام حتى في نظام الحكم، أما شكل الشورى والوسيلة التي تتحقق بها، فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير وفق أوضاع الأمة وملابسات الحياة، وقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابَه في بدر قبل القتال، وفي أثنائه وبعده، ولم يدخل المعركة إلا بعد أن اطمأن إلى رضا جمهورهم، وشاورهم صلى الله عليه وسلم في الخندق، وأخذ برأي الأنصار في عدم مصالحة غطفان على شيء من ثمار المدينة، وفي الحديبية شاور النبى صلى الله عليه وسلم زوجته السيدة أم سلمة رضي الله عنها حينما امتنع الصحابة عن التحلل من إحرامهم، بعد أن عز عليهم ألا يكملوا عمرتهم، فأشارت عليه أن يخرج إليهم، ويتحلل من إحرامه أمامهم دون أن يتكلم.

تعليقات
إرسال تعليق