كتب / هانى زكريا
قبل 54 عاما من الآن و تحديدا عام 1964، اسيقظ عباس العقاد بمنزله بمصر الجديدة و جلس على الكرسي المجاور لسريره مناديا عبد العزيز ابن شقيقه الذى حضر مسرعاً ليطلب منه العقاد ان يوقظ اخيه عامر ، و ما ان خرج الشاب عبد العزيز الى صالة الشقة لينادى والده عامر ، سمع صوت ارتطام بالارض ، حيث اسرعا الى غرفة العقاد ليجدوه سقط من على كرسيه ليرتطم بسجادة ارض غرفته ، فاسرع عامر بالإتصال بطبيب العقاد الخاص الذى طلب منه اعطائه حقنة « كورامين » فورا حتى يحضر ، و خلال 10 دقائق كان الدكتور بالمنزل و لكن الوقت كان قد مضى فقد توفى العملاق عباس محمود العقاد بجلطة لم يحتملها قلبه و هو فى سن ال 75 عاما ، بعد رحلة طويلة مع الأدب و الشعر و الكتب و النقد ..
كانت اخر تقارير الأطباء الثلاثة المتابعين لحالة العقاد الصحية تشخص متاعبه بأنها « الام مزمنه فى القولون الى جانب حالة القلب و الخمول الذى سببته ملازمة الفراش ، كما أنه ليس هناك دليل على وجود مرض خبيث فى الأمعاء ، و لكن هناك حالة امساك مزمن أدى الى ضعف قوة الدفع لدى القولون ، علاوة على الشيخوخة و كسل الدورة الدموية بعد الجلطة التى اصابت قلب العقاد قبل 3 اسابيع و ليلة وفاته نصحه طبيبه د.العليان قائلا : "يا استاذ حاول تقلل من حركتك فى القيام و القعود" فما كان من العقاد الا ان رد : "يا اخى القلب الى مايستحملش الحاجات البسيطة دى انا مش عايزه" حيث كان العقاد فى حالة مرح غير مسبوقة منه من كل قلبه ، و فى الساعة العاشرة من مساء ليلة وفاته غادر د.العليان شقة العقاد بعدما تأكد أن صحته فى حالة تحسن ، حيث تلقى العقاد اتصال تليفونى من الدكتور طه حسين فى تمام العاشرة و النصف يطمئن فيها على صحته ، و فى تمام الساعة 11 مساء طلب العقاد من اخيه عامر ان يرتب له ادويته بجوار السرير بحسب ترتيب تناولها ، و أن يضع على كل علبة منها رقماً ، و ما ان دقت الساعة 11 مساء حتى امسك العقاد بيده كتاب باللغة الانجليزية عن نظرية دارون ليكون اخر كتاب يقراءه قبل ان يخلد للنوم و يستيقظ فى الثانية صباح يوم 13 مارس 1964 لينادى على ابن شقيقه و شقيقة ليسلم الروح ..
بعكس الجميع كان العقاد يتفاءل على الدوام بالرقم 13 ، فقد كان يعيش فى المنزل رقم 13 بشارع السلطان سليم الأول بمصر الجديدة ، و أصيب بأول أزمة فى المصران الغليظ يوم 13 فبراير ، و توفى يوم 13 مارس ، و دفن فى الثرى بأسوان يوم 13 ايضا ، كما انه كان الشخص رقم 13 مع أقاربه فى القطار المتجه الى أسوان حاملاً جسده ليوارى الثرى هناك فى مثواه الاخير ..
فى الثالثة صباحا اتصل يوسف السباعى يتأكد من الخبر ، ثم توالت الاتصالات على هاتف منزل العقاد من توفيق الحكيم و يحيى حقى و كمال الدين حسين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة و عزيز أباظة و روحية القلينى ، ثم محافظ أسوان الذى أبلغ شقيقه عامر أن مجلس المحافظة اجتمع فى الثامنة صباح اليوم و قرر اقامة مقبرة خاصة فوراً غير مقبرة العائلة ليدفن فيها العقاد و ستكون فى الطريق الصاعد الى فندق كتاركت ، حيث كان العقاد أوصى بان يدفن بجانب والده و والدته ، وصل الجثمان الى مسجد عمر مكرم للصلاة عليه ، ثم خرجت الجنازة رسمية و مرت بشارع طلعت حرب حتى عبد الخالق ثروت ، و عند مرور الجنازة بشارع عبد الخالق ثروت أطلقت كنيسة بجوار نقابة الصحفيين أجراسها تحية للأديب الراحل ، و تم وضع الجثمان بالمركز العام لجمعية الشبان المسلمين الحالى بشارع رمسيس ، قبل أن ينقل بعربة اسعاف الى محطة مصر فى طريقة الى اسوان بالقطار ، حيث رافق الجثمان 12 شخص من اقاربه بلغت تذاكر سفرهم 37 جنيها و 220 مليما ..
و لكن لماذا لم يسافر جثمان العقاد بالطائرة ؟
و يجيب ابن شقيقه عبد العزيز العقاد : كان مطار أسوان وقتها جديدا ً، و يبعد ٢٥ كيلومترا عن المدينة ، لكن والدى رفض ، لأن المسافة بعيدة ، و سترهق أهل البلدة عند استقباله ، و بالفعل حجزوا لنا عربة درجة أولى بالقطار كما اننا كنا نريد اعطاء فرصة زمنية لحين انتهاء المحافظة من تجهيز مقبرته الخاصة بالطريق الصاعد لفندق كتاركت ، حيث استغرقت رحلة القطار بجثمان العقاد قرابة 14 ساعة..
كتب لن يقرأها العقاد :
فى مكتبة العقاد و التى تحوى قرابة 40 الف كتاب ، كان على مكتبه الذى غادرة قبل ساعات بلا عودة عدد الكتب الحديثة التي لم يمهل القدر العقاد لقرائتها منها كتاب (الفضاء فى الستنييات) للمؤلف باتريك ودر ، و كتاب اخر عن فضيحة (جون بروفيمو) و عدد من مجلة الصحة النفسية و بطاقة معايدة من الدكتور عمر الجارم الاستاذ بطب الاسكندرية ، و كتاب قديم لعبد الرحمن الرافعى بعنوان (فى اعقاب الثورة المصرية) بالإضافة الى مذكرة كتب فيها اسماء من اتصلوا بالاستاذ الكبير خلال فترة مرضه ..
أين اختفت مقتنيات العقاد الشخصية ؟
يقول عبد العزيز العقاد ابن شقيقه عن مصير مقتنيات و اوراق عمه عباس العقاد بعد 54 عاماً من رحيله :
جزء موجود فى اسوان و جزء فى هيئة الكتاب مثل المكتبة و المخطوطات و الملابس و النظارة و أقلامه ، اما العصاية الخاصة به و طربوشه ففى اسوان فى متحف صغير هناك ، أما بطاقته الشخصية و كارنيه الصحافة فهم معي شخصياً ، و نعتقد أنه لم يكن له جواز سفر لاننا لم نعثر عليه بعد وفاته ..
هل هناك اوراق ومقالات له لم تنشر بعد وفاته ؟ و اين اصولها ؟
يقول عبد العزيز العقاد :
لا كلها نشرت فى حياة والدى عامر العقاد ، أما أصولها لا أعرف أين هى ، فاذا كانت الدولة لم تهتم بتجميعها و المحافظة عليها منذ 54 عاما ، فهل أسرته قادرة على ذلك ؟ بالطبع لا ، فحتى منزله بالقاهرة فى شارع سليم الأول لا يزال قائم لأنه كان ايجار و ليس ملك ، و الدولة هي المسؤولة عن انشاء متحف للعقاد منذ رحيله و حتى الآن و لكنها غير جادة فى ذلك ..
و ماذا ترك العقاد من ثروة مالية لورثته؟
قال : 3000 جنيهاً فقط لا غير بالبنك ..
و ماذا عن اكل العقاد ؟
قال : لم يكن يعشق الطعام و كل أكله كان مسلوق فقط ..
متى نرى متحف يليق باسم العقاد ؟
قال : وجه السؤال للدولة هى المسؤولة ..
ذات مرة و قبل رحيله بشهر تقريبا سئله أحد الصحفيين المقربين منه عما يخيفه فى الحياة ، فكان ردة حاضراً : "أخاف المرض فقط و أعمل له ألف حساب ، أما الحياة الثانية فهي لاتخيفني ، و كل ما يهمني الان هو أن اتفانى أولا لهذه الحياة ، التى قد يقعدني المرض عن المضي فيها"
و سكت قليلا ثم اضاف : "الانسان يستطيع ان يحيا فى أي وقت و في أي سن ما دام تحت الشمس و فوق الأرض و بين الناس"

تعليقات
إرسال تعليق