إعداد محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء السادس مع دروس عظيمه من يوم أحد، وأن هناك جملة من الأخلاق برزت في هذه الغزوة، تحدث عنها النبى صلى الله عليه وسلم، وعلى المسلم التحلي بها حين يلقى عدوه، ومنها العفو وعدم التمثيل في القتلى، فالنبى صلى الله عليه وسلم عندما رأى عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه قد مثل المشركون بجسده فجدعوا أنفه وقطعوا أذنه وشقوا بطنه، حزن حزنا شديدا، وهمّ أن يمثل بثلاثين رجلا منهم في لقاء قادم، لكن الله تعالى أنزل قوله تعالى " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" ومن الأخلاق هو العدل وعدم الاعتداء، وذلك عند أخذ حقوق بعد مظلمة، وكذلك الصبر، فالله تعالى قد رغّب نبيّه بالصبر حين قال " واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" فبعدها قال النبى صلى الله عليه وسلم "نصبر ولا نعاقب" وقد وقعت أحداث غزوة أحد في منتصف شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة النبوية الشريفة.
وقعت إلى الشمال من المدينة المنورة، والسبب الذي دفع إلى وقوعها رغبة قبيلة قريش في الانتقام من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضي الله عنهم بعد أن تغلبوا عليهم في غزوة بدر، فبعد غزوة بدر أقسم أبو سفيان على الثأر من المسلمين، وعمل على جمع القبائل من ثقيف وتهامة وكنانة وتحريضهم على المسلمين، فجمع ما يقارب ثلاثة آلاف مقاتل، منهم سبعمائة دارع، ومئتي فارس، وثلاثة آلاف بعير، كما خرج مع المشركن سبع عشرة امرأة بقيادة هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، وتجمعوا بالقرب من جبل أحد، وجعلوا خالد بن الوليد على الميمنة، وعكرمة بن أبي جهل على الميسرة، وحملوا الراية لعبد العزى طلحة بن طلحة، ولما علم الرسول الكرام عليه الصلاة والسلام بخروجهم استشار الصحابة رضي الله عنهم، فأشار بعضهم إلى الخروج لملاقاتهم وقتالهم، وأشار آخرون إلى التحصّن في المدينة المنورة والدفاع عنها وعن المسلمين، وهو الرأى الذى رغب به النبي عليه الصلاة والسلام.
إلا إن الأكثرية رأوا الخروج إلى القتال، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأيهم، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى القتال مع ألف مقاتل، إلا إن زعيم المنافقين عبد الله بن أبي سلول رجع إلى المدينة مع ثلاثمائة مقاتل، فأصبح عدد المسلمين سبعمئة رجل، جعل منهم خمسين ليكونوا رماة على جبل أحد ليحموا ظهور المسلمين بقيادة عبد الله بن جبير، وقد انتهت غزوة أحد باستشهاد سبعين من الصحابة رضي الله عنهم، إضافة إلى جرح عدد منهم، وكان الفوز في المعركة من حليف المشركين بعد أن خالف المسلمون أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعد عودة النبي عليه الصلاة والسلام من الغزوة إلى المدينة المنورة أهين وقلل من شأن رأس المنافقين عبد الله في المسجد بعد أن وقف متظاهرا بتأييده للنبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من حمراء الأسد، وكان رجوع المنافقين من غزوة أحد سببا في تجنب المسلمين لهم والحذر منهم، وبعد انهزام المسلمين في غزوة أحد ثارت اليهود والأعراب وقريش على المسلمين.
وقللوا من شأنهم، إلا إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل عزمه وإصراره، فقام بعدة أعمال عسكرية لعودة النظام إلى المدينة، واستعادة هيبة المسلمين بين القبائل، فقام بحملات على الأعراب لبثّ الرعب والفزغ في قلوبهم، وأجلى اليهود من المدينة وطهّرها منهم، وبعد ذلك أظهر المنافقون الولاء والتأييد للرسول عليه الصلاة والسلام وللمسلمين، وبعد ذلك استعاد المسلمون هيبتهم وسيطرتهم على المدينة المنورة، وقضى الرسول صلى الله عليه وسلم على المشاكل التي لحقت بالمسلمين بعد غزوة أحد، وقد تضمنت غزوة أحد العديد من الدروس والعبر والعظات، حيث قررت غزوة أحد أن النصر لا يكون إلا من الله سبحانه، فإن شاء نصر وإن شاء خذل، كما إن النصر لا يكون بالعدة والعدد والعتاد، ولو كان النصر بذلك لكان حليفا للمسلمين يوم غزوة حنين، أما هزيمة المسلمين في أحد فكانت بسبب الإعجاب بالدنيا وحب ما فيها من الشهوات والملذات، وقد بينت غزوة أحد أن المعارك والغزوات لا يتحقق بها النصر إلا بالطاعة.
والخضوع لأوامر الله سبحانه والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، دون أن تشغلهم ملذات الدنيا عن نيل رضا الله سبحانه، وانحراف إيمان وإخلاص أحدهم قد يؤدي إلى هزيمة الجماعة وتحطيم وحدتها وصفوفها، فقال الله تعالى فى كتابه الكريم " وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين" وقد أيّد الله سبحانه المؤمنين بالعديد من الآيات والكرامات، فأنزل الله سبحانه النوم الخفيف على المسلمين لينسيهم ما أصابهم من الغم والحزن، ويجدّد همتهم ونشاطهم، وفي ذلك قال الزبير بن العوام "لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين اشتد علينا الخوف، وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا وذقنه في صدره، ومن الآيات التي أيّد الله بها عباده المؤمنين استجابة دعائهم، وإعطاؤهم ما سألوا، كما أيّدهم الله سبحانه بقتال الملائكة معهم، ودفاعم عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

تعليقات
إرسال تعليق