إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثانى مع الشورى فى غزوة أحد، وقد توقفنا عند صلح الحديبية عندما شاور النبى صلى الله عليه وسلم زوجته السيدة أم سلمة رضي الله عنها حينما امتنع الصحابة عن التحلل من إحرامهم، بعد أن عز عليهم ألا يكملوا عمرتهم، فأشارت عليه أن يخرج إليهم، ويتحلل من إحرامه أمامهم دون أن يتكلم، فلما فعل ذلك اقتدوا به جميعا صلى الله عليه وسلم، وفي غزوة أحُد استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابَه أيمكث في المدينة، أم يخرج لملاقاة العدو؟ وكان قلبه الموصول بالله يرى أنه من الأفضل أن يتحصّن بالمدينة فلا يخرج منها، ولكن جماعة كبيرة من الصحابة ومعظمهم من الشبان ممن فاتهم يوم بدر قد أشاروا عليه بالخروج، فنزل صلى الله عليه وسلم عن رأيه، وأخذ بالرأي السائد، ودخل بيت السيدة عائشة رضي الله عنها ولَبِس لأمته واستعد للخروج، وبدأت غزوة أحد حين خرجت قريش وعلى رأسها أبو سفيان تريد الهجوم على المدينة، والثأر لما نالها من هزيمة فادحة في غزوة بدر، وبلغ من حنق قريش وطغيانها.
أنها أوقفت على تكاليف غزوة أحد جميع دخل قافلة أبي سفيان التي فر بها قبل معركة بدر حيث ظلت تلك القافلة واقفة عند دار الندوة بمكة، انتظارا لما يُسفر عنه رأي قادة قريش، وقد اتفق أولئك القادة على أن تباع العير وما تحمله، ويخصص الربح كله لتجهيز جيش لقتال المسلمين في المدينة، والانتقام لما نالته قريش من هزيمة بدر، وإن نفرا من رجال قريش ممن أصيب آباؤهم وإخوانهم يوم بدر، كلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش أن محمد قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه فلعلنا ندرك منه ثأرنا بما أصاب منا، ففعلوا، وأخذ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يستعد في المدينة حين بلغه زحف قوات قريش، حيث بلغت مشارف المدينة نفسها في اليوم الأول من شهر شوال من العام الثالث للهجرة، واعتمد الرسول صلى الله عليه وسلم في تعبئة قواته ليس على الجانب المادي فحسب بل على الإيمان والحق وقوة الشورى، باعتبار أن مبدأ الشورى خير سبيل.
يؤدي إلى توحيد قلوب المؤمنين المخلصين، ويجعل كل نفس تحس بأنها جزء لا يتجزأ مع غيرها، فضلاً عن اكتشاف الآراء ومعرفة رأي أصحابها، ووقف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة يستشير المسلمين قبل المعركة، وكان محور الشورى يدور على أمرين، أيخرج النبي صلى الله عليه وسلم بجيش المسلمين للقتال، أم يبقي في المدينة ويقاتل العدو؟ وذلك استطلاعا للرأي في أي الأمرين أنكى للعدو وأقرب للنصر، وروي أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال " امكثوا، واجعلوا الذراري في الآطام، فإن دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم، ورُموا من فوق البيوت" وأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه " فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، ولكن نفرا من الصحابة فاتهم غزوة بدر قالوا يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا.
فقال عبدالله بن أبي ابن سلول "يا رسول الله، أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا" وهكذا فإن المشورة لها أثر عظيم في عبادة الحق، ووضوح الأمر، الاستشارة فيها تأليف للقلوب، الاستشارة فيها منع التصرف الفردى، والاستعجال في القضايا، وحلها بلا دليل، فبالاستشارة التأني والتروي، وإدراك لحقائق الأمور، وانطلاق الرأي بعيدا عن الفردية والاستعجال، وعدم الأناة، فإن الاستشارة تمنع هذا كله، وتجعل الأمر يصدر عن بصيرة وعلم وروية، فإن كل قرار أتخذ، وهو مبني على رأي صائب، واستشارة ذوي الخبرة في ذلك، يكون هذا الأمر واضحا جليا، وعلى المستشار أن يتق الله، ولا يشير إلا بالحق، ويكون واضحا صريحا، يدافع عن الحق الذي يعتقده، لا يجامل ولا يحابي.
وإنما يبرأ ذمته لعلمه أن الله سائله عن هذا كله، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يستشير أصحابه في القضايا العامة والخاصة فمن ذلكم يوم بدر لما أتى يوم بدر الحباب من المنذر يا رسول الله منزلك هذا رأي رأيته أو شرع من رب العالمين؟ قال الرسول "ما الرأي؟" قال أن تجعل ماء خلف ظهرك، وتغور كل المياه الذي حولك، حتى لا يطعن العدو فيك، فقال "هذا رأي حبابة" فأخذ به، ومنها يوم الأحزاب في المدينة، وأحاطوا بها، وبلغت القلوب الحناجر، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخفف على أهل المدينة، فاستشار سعدَ بن معاذ وسعد بن عُبادة في هذا الأمر، فأشارا عليه بعدم إعطائهم شيئا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمشورتهما، ومنها أيضا أنه لما يوم الخندق، قال سلمان الفارسي يا رسول الله كنا في جاهليتنا إذا نزل العدو أحطنا حصوننا بخندق نمنع منه عدونا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق شمال المدينة، وشاركهم في حفره صلى الله عليه وسلم.

تعليقات
إرسال تعليق