إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء السادس مع العادة والعبادة، وإن المطلوب من الإنسان شيئان الأول أن لا تتحول عباداته إلى عادات والثاني أن تتحول عاداته إلى عبادات وهذه نعمة من نعم المولى جل وعلا منّ بها على عباده فكل عادة نويت بها نية طيبة صارت بمجرد النية عبادة وهذا باب من أبواب الكرم الإلهي فإذا ما خرجت من بيتك صباحا إلى عملك فلتصحبك النية الصالحة ولتكن أنك خرجت للعمل لتكفي نفسك وأهلك فإن صحت نيتك فأنت مجاهد في سبيل الله حتى اللقمة التي يضعها الرجل في فم زوجته ينوي بها أن يطيب خاطرها وأن يدخل السرور على قلبها عمله هذا بنيته هذه عبادة وهكذا كل عمل اعتيادي يمكن تحويله إلى عبادة بمجرد استحضار النية وتحسينها , فلنحسن نياتنا ولنراقب سرائرنا ولنحاول فهم سر التشريع وتذوق حلاوته فإن المهمة التي خلق الله البشر من أجلها هي عبادته وحده لاشريك له لكن الله عز وجل مستغن عن الخلق كلهم ولاحاجة له تبارك وتعالى لعبادتهم كما جاء في الحديث القدسى.
"لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئا" وقال الله تعالى كما جاء فى سورة الحج " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين" لكن نفع العبادة حاصل لنا أولا وأخيرا، ولهذا قال العلماء إن مبنى الشريعة على تحصيل مصالح العباد في الدنيا والآخرة فعبادة الله تعالى هي المنهج الذي يحفظ لهذا الكون انتظامه وسيره دونما تخبط في أي ناحية من نواحى الحياة وعلى أي مستوى من المستويات وإن اختلال هذه العبادة اختلال لنظام هذا الكون وبالتالي دخوله في دهاليز الضلال والانحطاط والفساد على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، فأداء العبادة كما أمر الله بها هو سبيل سعادة هذه البشرية بأكملها، فالعبادة هي الزمام الذى يكبح جماح النفس البشرية أن تلغ في شهواتها وهي السبيل الذي يحجز البشرية عن التمرد عـلى شرع الله تعالى، فالخلل في أداء العبادة مؤذن بالخلل في الكون.
فإن أعظم مقاصد العبادة هو حصول التقوى التي هي الحاجز عن وقوع الإنسان في المعاصى وهي كذلك المحرك الفعال لهذه النفس حتى تنطلق من قيود الأرض فترفرف في علياء السماء وتنطلق في أفعال الخير بشتى صوره فإذا كان مردود العبادة من التقوى والخشوع لله عز وجل ضعيفا أو ميتا، فإن الهدف الذي شرعت من أجله العبادة لم يتحقق وبالتالي تكون العبادة وكأنها لم تؤدّى، ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" فليس المقصود من العبادة مجرد الحركات الظاهرة التي تمارسها الجوارح دون أن تؤثر في الباطن، وإنما المقصود مع ذلك عمل القلب من الإخبات والتذلل والخضوع بين يدي الله عز وجل وذلك روح العبادة ولبها فإن الذى يؤدى العبادة أي عبادة كانت ولم يقم في قلبه أثناء ذلك مقام العبودية لله عز وجل فكأنه ما أدى تلك العبادة وبمعنى آخر فقد أدى صورة العبادة لا حقيقتها فشرود القلب في مواطن العبادة.
هو من أعظم الآفات التي تعرض للإنسان في سيره لله عز وجل لأن العبادة بقلب شارد غافل لاه لاتترك الأثر المطلوب على النفس الإنسانية فلا يحصل الإنسان بها على الأجر المطلوب ولذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها" ومع استمرار الغفلة وشرود القلب في مواطن العبادة تصبح العبادة مجرد حركات ظاهرة ليس لها أي أثر على قلب صاحبها ومن ثم ليس لها أي أثر على تصرفاته، فتصبح العبادة عادة وهذا ما يفسر لنا مانراه من سلوك بعض الناس المخالف لشرع الله في المعاملة وفي الخُلق مع أنهم من المصلين ومن رواد المساجد بل ربما من قارئي القرآن الكريم ومن صائمي هواجر الأيام، لذلك يلاحظ الفرق الكبير بين من يصلي ثم ينصرف من صلاته كما دخل فيها وبين من إذا وقف استشعر أنه واقف بين يدي الله عز وجل فاستحضر نية التقرب إلى الله عز وجل عند شروعه في الصلاة.
وقام وفي قلبه مقام العبودية لله عز وجل وشعر بالانكسار بين يدى العزيز الجبار ثم إذا قرأ القرآن أو تلاه أو ذكر الأذكار واطأ قلبه لسانه، فإذا قال مثلا "اهدنا الصراط المستقيم" فهو قد سأل الله أن يهديه الصراط المستقيم وهكذا حتى ينصرف من صلاته انظر إلى حال هذا الرجل وحال من دخل في صلاته وقلبه في مكان آخر فالقرآن والأذكار تتردد على لسانه دون أن تتجاوزه إلى عقله أو فكره وانظر إلى من إذا انصرف من صلاته قال "استغفر الله" ثلاث مرات وقلبه يطلب العفو والمغفرة من الله تعالى على ما حصل من تقصيره في هذه العبادة وانشغال قلبه بغير الله فيها ولايقتصر الأمر على الصلاة، بل إنه عام في جميع العبادات أو أغلبها فانظر إلى الصيام تلك العبادة العظيمة التي يقول الله عز وجل فيها "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" فإن كثيرا من الناس لايشعرون بأثر للصيام على نفوسهم، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول "صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر" أى غله وحقده.

تعليقات
إرسال تعليق