يحكى أن رجل اسمه خراش بكسر الخاء خرج يوما لصيد الظباء فعثر على الكثير منها ، و كان كلما هم بصيد واحدة لمح أخرى ، فيتركها و ينشغل بالأخرى ، حتى يرى ثالثة ، و رابعة ، و هكذا قضى يومه كله و لم يفز بظبية واحدة حتى فرت منه الظباء كلها ، فلا هو استراح من عناء الصيد ، و لا تمكن من الحصول على مراده ، فأنشد يقول :
تكاثرت الظباء على خراش
فلا يدرى خراش ما يصيد !
و صار هذا البيت مثلا شائعا للتدليل على تزاحم و تكاثر الخيارات المتشابهة على الشخص حتى أنه يفقد القدرة على الوصول إلى الخيار الصحيح !
تذكرت هذا البيت من الشعر عندما قرأت أن منظمة الصحة العالمية أطلقت يوم الثانى من فبراير العام الماضى على الكم الهائل من المعلومات التى يتداولها الناس عبر وسائل التواصل الإجتماعى عن فيروس الكورونا ( Infodemic) , أى وباء المعلومات ، و هو مصطلح لغوى جديد سرعان ما قامت قواميس اللغة الإنجليزية بإضافته إلى مفرداتها و عرفته كالتالى " excessive amount of information about a problem such that the solution is made more difficult " ، أى تراكم كم هائل من المعلومات حول مشكلة مما يجعل حل المشكلة أمرا صعبا .
وسائل التواصل الإجتماعى هى سلاح ذو حدين ، فهى توفر فيض من المعلومات للناس بسرعة فائقة و تشبع نهمهم لمعرفة ما يجرى حولهم ، و لكنها فى الوقت نفسه يمكن أن تثير الهلع و الذعر و الخوف فى نفوس الناس ، و بعض هذه المعلومات صحيح و بعضها غير دقيق أو غير صحيح أو مدسوس مما يؤدى إلى تعاظم القلق بين القراء و المشاهدين .
هناك ظاهرة غريبة تسترعى الإنتباه و هى أن فيروس الكورونا المستجد قد استحوذ على إهتمام البشر أكثر مما حصلت عليه الفيروسات الأكثر خطورة التى سبقت ظهوره مثل الإيبولا و السارس و إنفلونزا الخنازير و إنفلونزا الطيور و الميرز ، و من الواضح أن إنتشار المعلومات حول هذا الفيروس فى كل أرجاء العالم شرقا و غربا كان أسرع من أنتشار الفيروس نفسه .
لا يجب أن يترك المرء نفسه نهبا للشائعات و الخرافات و أنصاف الحقائق و المعلومات الكاذبة و الحديث عن نظريات المؤامرة ، و على كل منا أن يحاول أن يحصل على المعلومات من مصادر موثوق منها مثل موقع منظمة الصحة العالمية حتى يحافظ على أمانه و أمنه النفسى من وباء المعلومات الذى قد يكون أشد فتكا من المرض نفسه الذى أقلق مضاجع سكان كوكب الأرض ، و علينا أن ندرك أن هناك خيطا رفيعا بين الحذر الحميد و الهلع القاتل الذى لا طائل من ورائه ، حفظكم الله من كل سوء و دمتم جميعا بخير .
د. عادل محمد الوقف
محاضر بكلية طب حورس

تعليقات
إرسال تعليق