نفحات إيمانية ومع قول الزور " الجزء الرابع " إعداد / محمـــد الدكـــرورى




إعداد / محمـــد الدكـــرورى


ونكمل الجزء الرابع مع قول الزور، وفي الأثر كما فى الكبيرة الثامنة عشرة عدلت شهادة الزور الشرك بالله تعالى مرتين وقال تعالى فى كتابه الكريم " فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور" فما أعظم ضرر شهادة الزور على المجتمع لما يترتب عليها من مفاسد وارتكاب المحرمات، وما تحدثه من حقد وضغائن، وانتشار للفوضى، وبلبلة أفكار، ووقوع في الرذائل وبُعد عن الفضائل، وما يحصل للشاهد نفسه من مضار في دنياه وأخراه، فإنه يُعاقب في الدنيا بالتعزير والتشهير، وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار" رواه ابن ماجه والحاكم، وكما أن بعض الناس قد يكتم الشهادة إذا كان لديه لأحد شهادة تبين حقه وتظهره، وذلك إما بُغضا لصاحب الحق، أو عداوة له، أو من أجل أن المشهود عليه قريب أو صديق للشاهد، ويريد في نظره ألا يضر المشهود عليه بشهادته، وهو لا يدري أنه قد ظلم نفسه وظلم صاحبه بكتم الشهادة، وأعانه على الباطل وأقره عليه، والله سبحانه وتعالى يقول كما جاء فى سورة البقرة " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه" وقال ابن عباس رضى الله عنهما وغيره، شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك، ولا شك أن شهادة الزور وكتمانها تعاون على الباطل، والله سبحانه وتعالى يقول فى سورة المائدة " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" فاتقوا الله في أموركم، لا يحملنكم الهوى وطاعته الشيطان على الوقوع فيما يسخط الله عز وجل.


ويوردكم موارد العطب والهلاك، ولا تظنوا أن ما خفي على الناس يخفى على الله تعالى، فستنطق الجوارح وتشهد على أصحابها، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة النور" يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون" فكل شيء مدوّن ومحفوظ، والله تعالى يعلم السر وأخفى، فاحذروا الوقوع فيما يسخط الرب جل وعلا واربؤوا بأنفسكم عن رذائل الأعمال، وتحروا الصدق والعدل في أقوالكم وأعمالكم، تفلحوا وتنجوا، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة المائدة " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" واعلموا أن الكثير من الناس قد ابتلى بالهوى، وطاعة النفس والشيطان، والتعصب للقبيلة، ومن تربطه به رابطه دنيوية، وبهذا نسي أو تناسى عواقب وآثار ما يُقدم عليه من قول زور، وشهادة زور، وتعريض نفسه لعقوبات الدنيا والآخرة، وما يتركه هذا العمل الخبيث من آثار سيئة فى المجتمع، فما أكثر ضرره، وما أشد تأثيره، فإن المجتمع الذي تنتشر فيه هذه الأمراض يكون مجتمعا متفككا متعاديا، يسعى بعضه للانتقام من البعض الآخر، فحياته حياة تعاسة وشقاء، ولا شك أن هذا ناتج عن قلة الإيمان، والبُعد عن آداب وتعاليم الإسلام، فاتقوا الله، وأصلحوا ما فسد من أحوالكم، وعالجوا ما مرض من نفوسكم، وتخلقوا بأخلاق نبيكم الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فلا خير إلا ودلنا عليه، ولا شر إلا وحذرنا منه، وفي الصحيحينِ عن أنس بن مالك قال، ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر. 


فقال" الشرك بالله، وعقوق الوالدينِ، وقتل النفس، وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو قال شهادة الزور" رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عبدِالله بن عمرو بن العاص أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "الكبائر، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقَتل النفس، واليمين الغَموس" رواه البخاري، ولما سأل أعرابى النبى صلى الله عليه وسلم عن اليمين الغموسِ قال " الذى يقتطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب" وقيل هي التي تغمس حالفها في الإثم، وقيل في النار" وعن سعيد بن المسيب أن مسلما ويهوديا اختصما إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فرأى الحق لليهودي، فقضى له عمر به، فقال له اليهودى والله لقد قضيت بالحق، فضربه عمر بالدرة، وقال وما يدريك؟ فقال اليهودى والله إنا لنجد في التوراة أنه ليس من قاض يقضي الحق إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك، يسددانه ويوفقانه للحق ما دام مع الحق، فإذا ترك الحق عرجا وتركاه" رواه في الموطأ، وعن عبدالله بن أبي حدرد الأسلمى قال كان ليهودى عليّ أربعة دراهم، فاستعدى عليّ، فقال يا محمد، إن لي على هذا أربعةَ دراهم، وقد غلبني عليها، قال أعطه حقه، قال والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها، قال أعطه حقه، قال والذي نفسى بيده ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر، فأرجو أن تغنمنا شيئا، فأرجع فأقضيه، قال أعطِه حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال ثلاثا لم يراجع، فخرج عبدالله بن أبي حدرد إلى السوقِ وعلى رأسه عصابة وهو متزر ببردة، فنزع العمامةَ عن رأسه فاتزر بها، ونزع البردة.


فقال اشتر مني هذه البردة، فباعها منه بأربعة دراهم" وهكذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودى على أبي حدرد، وأمره بالدفع، وهو يعلم أنه لا يملك سوى بردته التي عليه ولكنه الحق، وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، قال عذت معاذا، قال سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم، ويقدم معه ابنَه، فقدم، فقال عمر أين المصري؟ خذ السوط فاضربه، فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر اضرب ابن الأكرمين، قال أنس، فضرب والله، لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه، ثم قال للمصرى ضع على صلعة عمرو، فقال يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني وقد استقدت منه، فقال عمر لعمرو منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ قال يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتنى" وكتب أهل سمرقند إلى عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه، إن قتيبةَ بن مسلم غدر بنا، وظلمنا، وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله تعالى العدل والإنصاف، فأذن لنا، فليقدم منا وفد إلى أمير المؤمنين، فأذن لهم، وذكروا ظلامتهم، فكتب عمر إلى عامله إن أهل سمرقند قد شكوا ظلما أصابهم، وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي، فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم، فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن يظهر عليهم قتيبة، ففعل الوالى ذلك.


وقضى القاضى بأن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوا أهل سمرقند، فيكون صلحا جديدا، أو ظفرا عنوة، فقال أهل سمرقند بل نرضى بما كان، ولا نجدد حربا، وتراضوا بذلك، وهذا من عدل الإسلام وسمو القضاء فيه، فاحذر أن تكون من هؤلاء فإن الإثم عظيم، والمرتع وخيم، ويقول عز وجل كما جاء فى سورة الشعراء" وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون" ويظن بعض الناس أن شهادة الزور محصورة فيما يكون من أداء الشهادة واليمين أمام القضاء في المحاكم، وهذا ليس بصحيح، فشهادة الزور لها صور عديدة، وأشكال متنوعة، فإن شهادة الأم لأولادها المسيئين أمام والدهم أنهم صالحون، وأنهم لا يفعلون شيئا، هذه شهادة زور، وأيضا شهادة المدرس لطالبه أنه ناجح وهو فاشل، زيادة الدرجات التي لا يستحقها الطالب لأجل أن ينجح في دراسته وهو لا يستحق هذا، هذه شهادة زور، وأيضا التزكية، أو إعطاء شهادة حسن سيرة وسلوك، لإنسان تعلم سوءه وتعلم شره وفساده، هذه شهادة زور، وأيضا الشهادة لشخص أنه مريض لأجل أن يجمع التبرعات، أو لأجل أن يعالج على نفقة الدولة وغيرها، وهو ليس بمريض، هذه شهادة زور، وأيضا الشهادة لامرأة تزوجت بعد وفاة زوجها أنها ما تزوجت، لأجل أن تستلم معاش زوجها المتوفى، هذه شهادة زور، وأيضا كتابة الفواتير المزيفة التي فيها أرقام غير صحيحة، وفيها خداع وغش، هذه شهادة زور، والشهادة لسلعة أو بضاعة أنها جيدة أو أنها ممتازة وصالحة، وهي ليست كذلك، هذه أيضا شهادة زور.


ورفع التقارير غير الصحيحة في أي عمل كان، هذا نوع من شهادة الزور، والتوقيع على ورقة تعلم أن ما فيها غير صحيح وأنه كذب، هذا أيضا شهادة زور، والشهادة على إنسان بأنه ارتكب جرما لأجل أن يعاقب عليه وهو لم يفعل، هذه أيضا شهادة زور، وشهادة العالم للجاهل أنه عالم هذه شهادة زور، وشهادة العالم للحق أنه باطل أو شهادته للباطل أنه حق، هذه أيضا شهادة زور، وهكذا، صور كثيرة متعددة متنوعة نراها ونسمعها ونقرأ عنها في حياتنا اليومية تساهل الناس فيها وتهاونوا في هذه الجريمة العظيمة، فكن شاهدا بالحق، وكن قائما بالقسط ولو كانت شهادتك على أقرب الناس إليك، فإن الله سبحانه وتعالى يقول فى كتابه الكريم كما جاء فى سورة النساء " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهدا لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين" وإن شهدت لأقربائك في الدنيا فإنهم لن ينفعوك في الآخرة بين يدي الله تعالى، وكن شاهدا بالحق ولو كانت شهادة الحق في مصلحة عدوك، فإن الله سبحانه وتعالى يقول كما جاء فى سورة المائدة " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" وإن كانت عندك شهادة حق لإنسان فأدها وقم بها فإن الله سبحانه وتعالى يقول " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه" وكن دائما متذكرا مستحضرا لآية جليلة عظيمة في كتاب الله تبارك وتعالى، ألا وهي قوله سبحانه كما جاء فى سورة الزخرف " سنكتب شهادتهم ويسألون" فكل شهادة تشهد بها في الدنيا هي مكتوبة عليك وستسأل عنها يوم القيامة. 


بين يدي الله، فأعد للسؤال جوابا، وأعد للجواب صوابا، فاتقوا الله وتحرزوا من آفات ألسنتكم، فإنها وخيمة، واجتنبوا شهادة الزور، فإن عقوبتها عظيمة، وشهادة الزور هي الشهادة الكاذبة التي ليس لها أساس من الصحة، بأن يشهد الإنسان بما ليس له به علم، إما بدافع الحمية لمناصرة المشهود له بالباطل، وإما بدافع الطمع بما يعطيه المشهود له من مكافأة مالية أو غيرها، دون تفكير في العاقبة الوخيمة، ودون خوف من الله عز وجل، فإن الشهادة يجب أن تكون عن علم بالمشهود به، فقال الله تعالى كما جاء فى سورة الزخرف " إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" أي يعلمون بقلوبهم ما تشهد به ألسنتهم فلا يجوز للإنسان أن يشهد إلا بما يتحققه إما برؤية أو سماع من المشهود عليه ونحو ذلك مما يفيد العلم لدى الشاهد، وما لا يعلمه لا يجوز له أن يشهد به، فقال الله تعالى فى كتابه العزيز كما جاء فى سورة الإسراء" ولا تقف ما ليس به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا" فتحفظوا في شهادتكم، وتحرزوا مما تنطق به ألسنتكم فإن شاهد الزور قد ارتكب أمورا خطيرة، منها الكذب والافتراء، وقد قال الله تعالى فى كتابه الكريم فى سورة النحل" إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون" وقال الله تعالى فى كتابه الكريم فى سورة غافر " إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب" وإن من المحاذير التي ارتكبها شاهد الزور أنه ظلم الذى شهد عليه، فاستبيح بشهادته عليه دمه أو ماله أو عرضه، ومن المخاطر التي ارتكبها شاهد الزور أنه ظلم المشهود له حيث ساق إليه بموجب شهادته حق غيره ظلما وعدوانا، فباع بدنيا غيره وظلم الناس للناس.

تعليقات