نفحات إيمانية ومع حق الجار " الجزء الثامن " / وطنى نيوز



إعداد / محمـــد الدكــــرورى
 
ونكمل الجزء الثامن مع حق الجار، وقيل أن في بلاد الشام قديما كان هناك رجل من الصالحين له زوجة صعبة الطبع بخيلة سليطة اللسان وكان له منها من الأولاد ثلاثة، وكان يجاهد نفسه فيها بالصبر من اجل أولاده ويدعو الله لها بالهداية، وعند اقترب العيد كان الرجل يعمل بجد من اجل شراء خروف العيد، فأكرمه الله واستطاع أن يُدبر ثمن الخروف قبل العيد بأيام قليلة، فذهب إلي السوق واشتري خروف طيب الحجم كثير الفروة، وفرح به كثيرا وقال في نفسه، هذا الخروف سوف يسعد زوجتي وأولادي، ولكن أثناء رجوعه من السوق، وجد بالطريق رجل عجوز ملقي علي الطريق في أنفاسه الأخيرة، فنظر أمامه، والي الخلف فلم يجد احد فكر الرجل في ماذا يفعل؟ فما كان منه إلا أن حمل الرجل إلي جذع شجره وسأله عن داره؟ فقال له أخر هذا الطريق، فالتفت الرجل حوله فوجد غلام فصرخ عليه فجاء إليه، فطلب منه أن يأخذ الخروف إلي بيته ووصف له البيت، ثم حمل الرجل العجوز علي كتفه إلي داره، وذهب الغلام إلي منزل الرجل الصالح، ولكنه لم يكن متأكدا من موقع المنزل بالضبط فأخطأ، وأخذ الأضحية إلى جيران الرجل الصالح وأعطاهم إياها قائلا تفضلوا هذه الأضحية لكم، دون أن يذكر من أين أو لمن؟ وقد كان الجيران فقراء لا يملكون المال لشراء الأضحية فلم يعلم صاحب الدار الفقير ماذا يقول وهو لم يملك شيء للعيد فبكي من شدة الفرحة، وتعلق نظره إلي السماء قائلا رحمك يارب، ظنا منه أنها من احد المحسنين، فرح أولاد الرجل الفقير كثير لدرجه لفتت انتباه زوجة الرجل الصالح سليطة اللسان.
فنظرة من شباك المنزل وقد عقدت حواجبها، وهي تتسأل من أين لهم هؤلاء الفقراء بمثل هذا الخروف؟ ومن أين لهم بالمال؟ وقد ملئها الحقد، ثم عاد الرجل الصالح إلى المنزل متعب وقد توقع أن يجد أولاده فرحين بالكبش لكن كل شيء في المنزل كان هادئ، فخرجت عليه زوجته كالصاعقة وهي غاضبه وهي تردد تصدق أن هؤلاء الجيران يأتي لهم خروف كبير؟ كيف؟ ومن أين وهم يرقصون؟ ووجعوا رؤوسنا وكلام من هذا القبيل، ولسانها لا يتوقف والزوج مشدود ولا يعلم ماذا يقول بعد أن فهم الخطاء الذي وقع، فأخذ الرجل أنفاسه في صعوبة، بعد أن نظرت إليه الزوجة سائلة له أين الأضحية، فقال لها سوف تأتي أنا انتظرها، وصبر قليلا ثم خرج من المنزل كي يذهب إلي جاره الفقير الطيب وقال في نفسه أنه سوف يتفهم هذا الخطأ الذي حدث، فدق الباب، فخرج له جاره فعندما رآه تعلق في عنقه ودموعه تغرق وجه، وهو يشرح له أن الله كريم عوضه خيرا، وافرح أولاده وزوجته الصابرة فتبسم الجار الصالح وقال إن الله كريم وأنت تستحق كل خير أيام مباركة، وخرج من عنده الرجل لا يعلم أين يذهب، فقد أدركه الخجل كيف يُفسد فرحة أسرة جاره الفقير باسترداده للخروف منهم، وأخيرا قرر تركه لهم ابتغاء الأجر من الله عز وجل دون أن يخبر جاره بالخطأ الذي حدث، وظل يسير بالطريق إلي أن وصل إلي بيت الرجل العجوز فدق الباب كي يطمئن عليه فوجد ولده، فقال له كيف والدك الآن؟ فقال ابن العجوز المريض أنت من أنقذ أبي؟ ثم أدخله، فشكره الرجل العجوز واقسم عليه أن يقبل هديته.
التي كان عبارة عن عجل كبير وما عرف الرجل ماذا يقول وحاول أن يرد الرجل العجوز ولكنه أبى، فخرج الرجل الصالح ينظر إلي السماء والدموع تغرق وجه بين الفرح وبين كرم الله عليه، فقد ترك الخروف لوجه الله تعالى فعوضه بعجل كبير، فسبحانك ربي ما أكرمك، فهل جزاء الإحسان غير الإحسان؟ فإن الجار منهي عن أذية جاره، ومأمور بالإحسان إليه، وفي الوقت نفسه فإن الجار مالك الدار، أو المحل له أن يتصرف في ملكه بأى وجه مباح من أوجه المنفعة، والجمع بين هذين الأصلين يكون بتقييد تصرف المالك بما يزيل الضرر المحدث عن الجار، إذا كان الضرر ليس بيسير ولا معتاد، وتقدير ذلك وتفصيله محل خلاف بين أهل العلم، ولذلك فإذا وقع النزاع والخصومة في ذلك يكون القضاء هو الفصل فيها، سواء من ناحية الترجيح والاختيار من أقوال الفقهاء، أو ناحية تقدير الضرر والنظر في طريقة رفعه، ويتأكد ذلك مع تقادم العهد، وطول المدة، وقال ابن قدامة في المغني، وليس ‌للرجل ‌التصرف ‌فى ‌ملكه تصرفا يضر بجاره، نحو أن يبني فيه حماما بين الدور، أو يفتح خبازا بين العطارين، أو يجعله دكان قصارة يهز الحيطان ويخربها، أو يحفر بئرا إلى جانب بئر جاره يجتذب ماءها، وبهذا قال بعض أصحاب أبي حنيفة، وعن الإمام أحمد رواية أخرى لا يمنع، وبه قال الشافعى وبعض أصحاب أبي حنيفة، لأنه تصرف في ملكه المختص به، ولم يتعلق به حق غيره، فلم يمنع منه، كما لو طبخ في داره، أو خبز فيها، وسلموا أنه يمنع من الدق الذى يهدم الحيطان وينثرها.
ولنا قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار" ولأن هذا إضرار بجيرانه، فمنع منه، كالدق الذي يهز الحيطان وينثرها، وكسقي الأرض الذي يتعدى إلى هدم حيطان جاره، أو إشعال نار تتعدى إلى إحراقها، قالوا هاهنا تعدت النار التي أضرمها، والماء الذي أرسله، فكان مرسلا لذلك في ملك غيره، فأشبه ما لو أرسله إليها قصدا، قلنا والدخان هو أجزاء الحريق الذي أحرقه، فكان مرسلا له في ملك جاره، فهو كأجزاء النار والماء، وأما دخان الخبز والطبيخ، فإن ضرره يسير، ولا يمكن التحرز منه، وتدخله المسامحة، فإن التشريعات في ديننا والوصايا في إسلامنا تبدأ بتحقيق التوحيد، وحُسن العبادة، ومتانة العلاقات، وصفاء الصلات، وهى الرابطة الإسلامية والأخوة الإيمانية هي لب الدين، ولباب المشاعِر، يحيا بها المسلم ويحيا لها، عقيدة وشعائر وصلات يأخذ بعضها برقاب بعض، وقيل أن من أحكام الملك التام أنه يعطي المالك ولاية التصرف في المملوك على الوجه الذي يختار، كما يمنع غيره من التصرف فيه من غير إذنه ورضاه، وهذا لا يكون إلا عندما يخلو الملك من أي حق عليه للآخرين، ولكن هذا الحكم قد يقيد بسبب الجوار لتجنب الإضرار بالجار، وقد اختلف الفقهاء في تقييد الملك لتجنب الإضرار بالجار، فذهب المالكية والحنابلة والحنفية فيما عليه الفتوى عندهم إلى أن المالك لا يمنع من التصرف في ملكه إلا إذا نتج عنه إضرار بالجار، فإنه يمنع عندئذ مع الضمان، لما قد ينتج من الضرر، وقيد الحنفية والمالكية الضرر بأن يكون بيَّنا، وحد هذا الضرر عندهم.
أنه كل ما يمنع الحوائج الأصلية يعني المنفعة الأصلية المقصودة من البناء كالسكنى، أو يضر بالبناء أي يجلب له وهنا، ويكون سبب انهدامه، وقد ذهب الشافعية إلى أن كل واحد من الملاك له أن يتصرف في ملكه على العادة في التصرف، وإن تضرر به جاره أو أدى إلى إتلاف ماله، كمن حفر بئر ماء أو حش فاختل به جدار جاره، أو تغير بما في الحش ماء بئره، لأن في منع المالك من التصرف في ملكه مما يضر جاره ضررا لا جابر له، فإن تعدى بأن جاوز العادة في التصرف ضمن ما تعدى فيه لافتياته، والأصح أنه يجوز للشخص أن يتخذ داره المحفوفة بمساكن حماما وطاحونة ومدبغة وإصطبلا وفرنا، ودكانا ونحو ذلك، كأن يجعله مدبغة، إذا احتاط وأحكم الجدران إحكاما يليق بما يقصده، لأنه يتصرف في خالص ملكه وفي منعه إضرار به، والثانى المنع للإضرار به، وأما إذا تسبب الجيران من الازعاج والضوضاء، واستعمال مواد كيميائية ضارة ومؤذية، وتعريض حرمة البيت لنظر العمال، وحركة الحيوانات المزعجة المانعة من النوم في الليل والنهار، فكل هذا نراه ضررا غير معتاد تجب إزالته، وتحرم أذية الجار به، وقد تأكد هذا بصدور قرار الإغلاق من الجهات المختصة، وقد نص كثير من الفقهاء على المنع من مثل ذلك، وخصوصا في مذهب المالكية، وتجد ذلك عند قول خليل مختصره وبمنع دخان، كحمَّام، ورائحة كدباغ، وأندر قبل بيت، ومُضر بجدار، وإصطبل أو محل أو دكان قبالة باب، وقد عقد ابن فرحون في كتابه تبصرة الحكام، فصل كامل في نفي الضرر وسد الذرائع.
ومما قال فيه أما الضرر فمثل ما يحدث الرجل في عرصته مما يضر بجيرانه من بناء حمام، أو فرن للخبز، أو لسبك ذهب أو فضة، أو كير لعمل الحديد، ويمنع الرجل من إحداث إصطبل للدواب عند باب جاره بسبب بولها، وزبلها، وحركتها ليلا ونهارا، ومنعها الناس من النوم، وكذلك الطاحون، وكير الحداد، وشبهه، فلا شك أن أذية المسلم من الأمور المحرمة التي يجب الابتعاد عنها، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أذية المسلم، واحتقاره، فقال صلى الله عليه وسلم" سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" رواه البخارى ومسلم، وقيل أنه في يوم من الأيام خرج رجل من منزله ليبحث عن عمل، و في اللحظة التي مر فيها من منزل جاره وقعت ورقة مهمة من جيبه دون أن يشعر، ولأجل الصدفة كان جاره ينظر عبر نافذة بيته ورأى تلك الورقة وهي تقع من جيب ذلك الرجل وقال في نفسه " يا للعار، لقد ألقى جارنا بتلك الورقة على الأرض عمدا، إنه يحاول توسيخ حديقة بيتنا بسرية وتستر" وعوضا أن يخرج من بيته ويكلم جاره، قرر الجار التخطيط للانتقام منه، وفي تلك الليلة، حمل الجار سلة المهملات وذهب بها إلى منزل ذلك الرجل، وبالمصادفة أيضا كان ينظر ذلك الرجل عبر نافذة بيته ورأى ما الذي فعله جاره، فتعجب الرجل كثيرا من جاره وذهب لجمع القمامة الملقاة أمام بيته وأثناء ذلك وجد الورقة المهمة التي وقعت منه خطأ لكنها كانت ممزعة إلى قصاصات كثيرة، فهم حينها الرجل نية جاره وهي توسيخ ممر بيته بالقمامة، لم يشأ ذلك الرجل الحديث مع جاره وقرر بالمقابل الانتقام منه.
وفي تلك الليلة اتصل ذلك الرجل بمزارع وطلب منه تزويد جاره بنحو عشرة خنازير ومائة بطة وفي اليوم التالي واجه جاره الكثير من المتاعب وهو يحاول التخلص من تلك الحيوانات الموجودة في حديقته وإرجاعها إلى صاحبها، وقد فهم الجار بأن تلك الخدعة والمؤامرة كانت من صنع جاره أيضا، وبمجرد انتهائه وتخلصه من تلك الحيوانات قام بالتخطيط لمؤامرة أخرى لينتقم من ذلك الرجل، وهكذا ظل الحال، واستمر كلا الجارين بالانتقام لبعضهم البعض وفي كل مرة كان الانتقام يكبر ويزيد، فقد أدت سقوط تلك الورقة إلى إشعال الحرب بين الجارين وفي كل مرة كانا ينتقمان من بعضهما البعض بطريقة أو بأخرى، فقد قام أحدهما باستدعاء فرقة لموسيقى الروك والآخر قام بإشعال صفارة إنذار الحريق فرد عليه جاره بإدخال شاحنة إلى سور حديقته فانتقم الآخر بإلقاء وابل من الحجارة على شباك بيته إلى أن وصل فيهما الحد بإلقاء قنبلة أدت فيما بعد إلى تدمير منزليهما، وقد وصل الأمر بدخولهما إلى المستشفى وقضاء وقت طويل مع بعضهما في غرفة واحدة، وبداية، رفض كلاهما التحدث مع بعضهم البعض إلا أنهما بدءا يتململان من الصمت العائم في المكان و بدءا بالتحدث مع بعضهم البعض، ومع مرور الوقت أصبحا صديقين و خاضا بالنقاش حول موضوع تلك الورقة التي وقعت خطأ، وأدرك الجاران سوء فهمهما لبعض وأنهما لو تحدثا مع بعضهما منذ البداية لما حصل ما حصل وكانا على الأقل مازالا يحتفظان ببيتهما، لكن في نهاية المطاف وبعد أن صارا صديقين قررا التعاون لإصلاح كلا المنزلين.

 

تعليقات