إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الرابع مع مفهوم التنمية الشامله، وقد توقفنا مع الإسلام وأنه يقوم على مبادئ إنسانية وأسس أخلاقية وضوابط شرعية تغرس في نفوس أتباعه الحرص على مزاولته مما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية فبينت الشريعة الحلال والحرام، وحثت على حفظ المال من التلف والضياع وتنميته بالعمل والإنتاج والاستثمار، وحذرت من الكسب الحرام لما له من آثار وخيمة على الأمة سواء على دينها أو قيمها أو أخلاقها، فحرم الإسلام الربا بوصفه أولى العقبات في التنمية الاقتصادية، ووسيلة سهلة للكسب الحرام فقال تعالى فى سورة البقرة " وأحل الله البيع وحرم الربا" وإذا أردنا أن نحقق التنمية لوطننا وبلادنا ومجتمعنا فعلينا أن نغير ما نحن فيه من واقعنا الذي نعيش فيه فكيف نحقق التنمية الاقتصادية وشبابنا في ضياع؟ والله إن القلب ليحزن حينما يري الشباب وهم فى أعز قواهم العقلية والجسدية ومع ذلك يفني الشباب قوته وشبابه فى الفراغ وفي كل ما حرم الله تبارك وتعالى من ملاه ومشارب وخمور ومجون وغير ذلك.
ولو لم يكن الإنسان في حاجة إلى العمل، لا هو ولا أسرته، لكان عليه أن يعمل للمجتمع الذى يعيش فيه فإن المجتمع يعطيه، فلابد أن يأخذ منه، على قدر ما عنده، ويُروى أن رجلا مر على أبى الدرداء الصحابى الزاهد رضي الله عنه فوجده يغرس جوزة، وهو في شيخوخته وهرمه، فقال له أتغرس هذه الجوزة وأنت شيخ كبير، وهي لا تثمر إلا بعد كذا وكذا عاما ؟ فقال أبو الدرداء وما عليَّ أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيرى وأكثر من ذلك أن المسلم لا يعمل لنفع المجتمع الإنسانى فحسب، بل يعمل لنفع الأحياء، حتى الحيوان والطير، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمه إلا كان له به صدقه " رواه البخارى، وبذلك يعم الرخاء ليشمل البلاد والعباد والطيور والدواب، وكيف نحقق التنمية الاقتصادية وقد منع الغني حق الفقير وضن وبخل به؟ فلو منع الغني حق الفقير وهو المقرر شرعا ليس منحة ولا تفضلا، لازداد الغنى غنى والفقير فقرا، واختل التوازن في المجتمع.
فعن الإمام علي رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذى يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يضيع أغنياؤهم، ألا وإن الله عز وجل يحاسبهم يوم القيامة حسابا شديدا، ثم يعذبهم عذابا أليما" رواه الطبرانى، وقال الإمام على رضي الله عنه أيضا "ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيّع" وكما قال الشيخ الشعراوى رحمه الله "إذا رأيت فقيرا فى بلاد المسلمين فاعلم أن هناك غنيا سرق ماله" وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه "ما تمتع غنى إلا من جوع فقير" والله لو أن كل غنى اتقى الله وأخرج زكاته ما وجدت فقيرا في بلاد المسلمين، وأيضا كيف نحقق التنمية الاقتصادية وهناك خلل في توزيع الثروات والدخول؟ وكيف نحقق التنمية الاقتصادية وقد رُفع الجاهل وأعدمت الكفاءات؟ وكيف نحقق التنمية الاقتصادية وانتشر بيننا التعامل بالرشوة والربا والغش والوساطات والمحسوبيات؟ وكيف نحقق التنمية الاقتصادية، فإننا بحاجة إلى نعيد حساباتنا.
ونقف مع أنفسنا وقفة من جديد، فأين نحن من العمرين ؟ عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز؟ فهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقف ذات يوم يخطب في الناس فما كاد يقول أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، حتى قاطعه أحدهم قائلا، لا سمع ولا طاعة يا عمر، فقال عمر رضى الله عنه بهدوء لم يا عبد الله؟ قال لأن كلا منا أصابه قميص واحد من القماش لستر عورته وعليك حلة، فقال له عمر رضى الله عنه مكانك، ثم نادى ولده عبد الله بن عمر، فشرح عبد الله رضى الله عنه أنه قد أعطى أباه نصيبه من القماش ليكمل به ثوبه، لأن عمر رضى الله عنه طويل ولم يكفه نصيبه، فاقتنع الصحابة وقال الرجل في احترام وخشوع الآن السمع والطاعة يا أمير المؤمنين، أي عدالة ومساواة هذه؟ وهذا عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه الذى امتلأ بيت المال في عهده وفوجئ بشكاوى من كل الأمصار المفتوحة من مصر والشام وأفريقيا، وكانت الشكوى من عدم وجود مكان لتخزين الخير والزكاة، ويسألون ماذا نفعل؟ فيقول عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه.
أرسلوا مناديا ينادى فى ديار الإسلام أيها الناس من كان عاملا للدولة وليس له بيت يسكنه فليبنى له بيت على حساب بيت مال المسلمين، أيها الناس من كان عاملا للدولة وليس له مركب يركبه، فليشترى له مركب على حساب بيت مال المسلمين، أيها الناس من كان عليه دين لا يستطيع قضاءه، فقضاؤه على حساب بيت مال المسلمين، أيها الناس من كان في سن الزواج ولم يتزوج، فزواجه على حساب بيت مال المسلمين، فتزوج الشباب الأعزب وانقضى الدين عن المدينين وبنى بيت لمن لا بيت له وصرف مركب لمن لا مركب له، ولكن الشكوى مازالت مستمرة بعدم وجود أماكن لتخزين الأموال والخيرات، فيرسل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى ولاته ويقول عودوا ببعض خيرنا على فقراء اليهود والنصارى حتى يستكفوا، فاعطوا والشكوى مازالت قائمه !فقال رضى الله عنه وماذا أفعل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، خذوا بعض الحبوب وانثروها على رؤوس الجبال فتأكل منه الطير وتشبع، حتى لا يقول قائل جاعت الطيور في بلاد المسلمين"
رضي الله عنك يا أمير المؤمنين حكم بضعة وثلاثين شهرا فكانت أفضل من ثلاثين دهرا، فقد نشر فيهم العدل والإيمان والتقوى والطمأنينة، وعاش الناس في عز لم يروه من قبل، والله الذى لا إله غيره، لو أدى كل إنسان زكاة ماله وواجبه على أكمل وجه دون نقصان، وأخذ كل واحد حقه دون زيادة لصلح حال البلاد والعباد، والراعي والرعية، وما صرنا إلى ما نحن فيه، فقد روى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيا على المدينة، فمكث عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة كاملة لم يختصم إليه اثنان، ولم يعقد جلسة قضاء واحدة، وعندها طلب من أبى بكر إعفاءه من القضاء، فقال أبو بكر لعمر رضى الله عنهما أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟ قال عمر رضى الله عنه لا يا خليفة رسول الله، ولكن لا حاجة لي عند قوم مؤمنين عرف كل منهم ما له من حق فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يقصر في أدائه، أحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، إذا غاب أحدهم تفقدوه، وإذا مرض عادوه.
وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب عزوه وواسوه، دينهم النصيحة، وخلتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟ فإننا بحاجة إلى أن نغير ما بأنفسنا تغييرا شاملا لكل جوانب الحياة حتى نحقق التنمية بجميع جوانبها وذلك مصداقا لقوله تعالى فى سورة الرعد " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " فإن التنمية الشاملة هى التركيز على جميع مواطن الضعف في مجتمع ما، سواء كان ذلك اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا، وتساهم القوى الداخلية والخارجية مجتمعة بتحقيق التقدم والتنمية في مختلف الأبعاد، والعمل على تقوية نقاط الضعف التي تعاني منها، كما تسعى إلى تفجير الطاقات الكامنة لدى الأفراد بفتح أفق الابداع والابتكار أمامهم، وتأتى التنمية الشاملة للتخلص من الفقر ومعالجته، ومحو الأمية، والتخلص من البطالة بتوفير فرص العمل، كما تهتم بضرورة تحقيق العدالة والمساواة في توزيع الثروة القومية، بالإضافة إلى منح الأفراد حقوقهم فى التعبير عن الرأى وتمكينهم من الشاركة في صنع القرار.

تعليقات
إرسال تعليق