نفحات إيمانية ومع قول الزور " الجزء الثالث " إعداد / محمـــد الدكـــرورى


 


إعداد / محمـــد الدكـــرورى


ونكمل الجزء الثالث مع قول الزور، وقال الشيرازي من الشافعية، وابن فرحون من المالكية، تثبت شهادة الزور من ثلاثة أوجه، أحدها وهو أن يقر أنه شاهد زور، والثانى وهو أن تقوم البينة على أنه شاهد زور، والثالث وهو أن يشهد ما يقطع بكذبه، وإذا ثبت ذلك بالبينة، فعليه العقوبة، سواء أكان ذلك قبل الحكم أم بعده،، وأما عن كيفية عقوبة شاهد الزور، فإنه لما كانت الشريعة لم تقدر عقوبة محددة لشاهد الزور، فإن هذه العقوبة هي التعزير، وقد اختلف الفقهاء في عقوبة شاهد الزور، من حيث تفصيلات هذه العقوبة، لا من حيث مبدأ عقاب شاهد الزور التعزير، إذ إنه لا خلاف عند الفقهاء في تعزيره، وإذا ثبت عند الحاكم عن رجل أنه شهد بزور عمدا، عزره وجوبا وشهّر به، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبه قال شريح، وسلام بن عبد الله، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وقد اختلفوا في كيفية التعزير، فقال الشافعية والحنابلة وبعض المالكية هو تأديب شاهد الزور مفوض إلى رأي الحاكم، إن رأَى تعزيره بالجلد، جلده، وإن رأى أن يحبسه أو كشف رأسه وإهانته وتوبيخه، فعل ذلك، ولا يزيد في جلده على عشر جلدات، وقال الشافعى "لا يبلغ بالتعزيز أربعين سوطا" وأما كيفية التشهير به بين الناس، فعن الحاكم، قال يوقفه في السوق إن كان من أهل السوق، أو محل قبيلته إن كان من أهل القبائل، أو في مسجده إن كان من أهل المساجد، ويقول الموكل به إن الحاكم يقرأ عليكم السلام، ويقول هذا شاهد زور، فاعرفوه، ولا يُسخم وجهه، أى يُسوّده لأنه مثله، وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن المثلة. 


ولا يركبه مقلوبا، ولا يكلف الشاهد أن ينادى على نفسه، وفي الجملة ليس في هذا تقدير شرعى، فللحاكم أن يفعل ما يراه، ما لم يخرج إلى مخالفة نص أو معنى نص، وقال أبو يوسف ومحمد وبعض المالكية، أنه إذا ثبت عند القاضي أو الحاكم عن رجل أنه شهد بالزور، عوقب بالسجن والضرب، ويطاف به في المجالس، لما روى عن عمر  بن الخطاب رضي الله عنه، أنه ضرب شاهد زور أربعين سوطا، وسخم وجهه، وعن الوليد بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمّاله بالشام، إذا أخذتم شاهد الزور، فاجلدوه بضربه أربعين سوطا، وسخّموا وجهه، وطوفوا به حتى يعرفَه الناس، ويحلق رأسه ويطال حبسه لأنه أتى كبيرة من الكبائر، وقد قرن الله سيحانه وتعالى بين شهادة الزور وبين الشرك، فقال فى سورة الحج " فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور" ولأن هذه الكبيرة يتعدى ضررها إلى العباد بإتلاف أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا أَقَر الشاهد أنه شهد زورا، يشهّر به في الأسواق إن كان سوقيا، أو بين قومه إن كان غير سوقي، وذلك بعد صلاة العصر في مكانِ تجمع الناس، ويقول المُرسل معه إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه، وحذروه الناس، ولا يعزّر بالضرب أو الحبس لأن شريحا كان يشهر شاهد الزور ولا يعزّره، وكان قَضاياه لا تخفى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكرا، ولأن المقصود هو التوصل إلى الانزجار، وهو يحصل بالتشهير، بل ربما يكون أعظم عند الناس من الضرب.


فيكتفى به، والضرب وإن كان مبالغة في الزجر لكنه يقع مانعا عن الرجوع، فوجب التخفيف نظرا إلى هذا الوجه، وقد ذكر الزيلعى نقلا عن الحاكم أبى محمد الكاتب أن هذه المسألة على ثلاثة أوجه، أحدها أن يرجع على سبيلِ التوبة والندامة، فإنه لا يعزر بإجماع أئمة الحنفية، والثاني أن يرجع من غير توبة، وهو مصر على ما كان منه، فإنه يعزر بإجماعهم، والثالث ألا يعلم رجوعه بأى سبب فإنه على الاختلاف الذي ذكرنا، وأما عن القضاء بشهادة الزور، وأنه ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وأبو يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وإسحاق وأبو ثور، إلى أن قضاء الحاكم بشهادة الزور ينفذ ظاهرا لا باطنا، لأن شهادة الزور حُجة ظاهرا لا باطنا، فينفذ القضاء كذلك، لأن القضاء ينفذ بقدر الحجة، ولا يزيل شيئا عن صفته الشرعية، سواء العقود من النكاح وغيره والفسوخ، فلا يحل للمُقضى له بشهادة الزور ما حُكم له به من مال أو بضع أو غيرهما، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" وقال أبو حنيفة، وأحمد في رواية، ينفذ القضاء بشهادة الزور ظاهرا وباطنا فى العقود والفسوخ، حيث كان المحل قابلا، والقاضي غير عالم بزورهم، لقول الإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنه، لامرأة أقام عليها رجل بينة على أنه تزوجها، فأنكرت، فقضى له علي رضي الله عنه  فقالت له لِما تزوجنى ؟ 


أَما وقد قضيت عليّ، فجدد نكاحي، فقال لاأجدد نكاحك، الشاهدان زوجاك، فلو لم ينعقد النكاح بينهما باطنا بالقضاء، لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها، وأما في الأملاك المرسلة، أي التي لم يذكر لها سبب معين "فإن الفقهاء أجمعوا على أنه ينفذ ظاهرا لا باطنا لأن الملك لا بد له من سبب، وليس بعض الأسباب بأَولى من البعض، لتزاحمها، فلا يمكن إثبات السبب سابقا على القضاء بطريق الاقتضاء، وأما عن تضمين شهود الزور، فإنه متى علم أن الشهود شهدوا بالزور، تبين أن الحكم كان باطلا، ولزم نقضه وبطلان ما حكم به، ويضمن شهود الزور ما ترتب على شهادتهم من ضمان، فإن كان المحكوم به مالا، رُد إلى صاحبه، وإن كان إتلافا، فعلى الشهود ضمانه، لأنهم سبب إتلافه، وذهب الشافعية والحنابلة، وأشهب من المالكية، إلى وجوب القصاص على شهود الزور إذا شهدوا على رجل بما يوجب قتله، كأَن شهدوا عليه بقتلٍ عمد عدوانا، أو بردّة، أو بزنا وهو محصن، فقُتل الرجل بشهادتهما، ثم رجعا وأقرا بتعمد قتله، وقالا تعمدنا الشهادة عليه بالزور، ليقتل أو يقطع، فيجب القصاص عليهما، لتعمد القتل بتزوير الشهادة، وذلك لِما روى الشعبى أن رجلين شهدا عند الإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنه، على رجل بالسرقة، فقطعه، ثم عادا، فقالا، أخطأنا ليس هذا هو السارق، فقال الإمام علي رضى الله عنه، لو علمت أنكما تعمدتما، لقطعتكما، ولا مخالف له في الصحابة، فيكون إجماعا، ولأنهما تسببا في قتله وقطعه بما يفضى إليه غالبا، فلزمهما القصاص كالمكره، وبه قال ابن شبرمة، وابن أبي ليلى. 


والأوزاعي، وأبو عبيد، وكذلك الحكم إذا شهدوا زورا بما يجب القطع قصاصا في قَطع أو في سرقة، لزمهم القطع، وإذا سرى أَثر القطع إلى النفس، فعليهما القصاص في النفس، كما يجب القصاص على القاضي إذا قضى زورا بالقصاص، وكان يعلم بكذب الشهود، وتجب عليهما الدّية المغلظة إذا قالا تعمدنا الشهادة عليه، ولم نعلم أنه يقتل بهذا، وكانا مما يحتمل أن يجهلا ذلك، وتجب الدية في أموالهما لأنه شبه عمد ولا تحمله العاقلة لأنه ثبت باعترافهما، والعاقلة لا تحمل الاعتراف، وإن رجع شهود القصاص أو شهود الحد بعد الحكم بشهادتهم وقبل الاستيفاء، لم يستوفى القود ولا الحد، لأن المحكوم به عقوبة لا سبيل إلى جبرها، إذا استوفيت بخلاف المال، ولأن رجوعَ الشهود شبهة لاحتمال صدقهم، والقَود والحد يدرأان بالشبهة، فينقض الحكم، ولا غُرم على الشهود، بل يعزّرون، ووجبت دية قود للمشهود له؛ لأن الواجب بالعمد أحد شيئين وقد سقط أحدهما، فتعيّن الآخر، ويرجع المشهود عليه بما غرمه من الدّية على الشهود، وقد ذهب الحنفية، والمالكية عدا أشهب، إلى أن الواجب هو الدّية لا القصاص، لأن القتل بشهادة الزور قتل بالسبب، والقتل تسببا لا يساوي القتل مباشرة، ولذا قصر أثره، فوجبت به الدية لا القصاص، ويجب حد القذف على شهود إذا شهدوا بالزنا، ويقام عليهم الحد، سواء تبيّن كذبهم قبل الاستيفاء أم بعده، ويحدون في الشهادة بالزنا حدّ القذف أولا، ثم يقتلون إذا تبين كذبهم بعد استيفاء الحد بالرجم، وذلك عند الشافعية، لأنهم لم يقولوا بالتداخل في هذه المسألة، وأما عند الجمهور. 


فإن كان في الحدود قتل، فإنه يكتفى به، لقول أبي مسعود رضي الله عنه "ما كانت حدود فيها قتل إلا أحاط القتل بذلك كله" ولأنه لا حاجةَ معه إلى الزجر بغيره، واستثنى المالكية من ذلك حد القذف، فقد ذكروا أنه لا يدخل في القتل بل لا بد من استيفائه قبله، وأما عن توبة شاهد الزور، فقد ذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة وأبو ثور، إلى أنه إذا تاب شاهد الزور، وأتت على ذلك مدة، فظهر فيها توبته، وتبين صدقه فيها وعدالته، قبلت شهادته، لقول الله سبحانه وتعالى كما جاء فى سورة آل عمران وسورة النور " إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا" ولأن النبى الكريم صلى الله عليه وسلم قال " التائب من الذَّنب كمن لا ذنب له" وذلك لأنه تائب من ذنبه، فقبلت توبته كسائر التائبين، وأن مدة ظهور التوبة عندهم سنة، لأنه لا تظهر صحة التوبة في مدة قريبة، فكان أَولى المدد بالتقدير سنة، لأنه تمر فيها الفصول الأربعة التي تهيج فيها الطبائع، وتتغير فيها الأحوال، وقال البابرتي من الحنفية، مدة ظهور التوبة عند بعض الحنفية ستة أشهر، ثم قال والصحيح أنه مفوض إلى رأي القاضى، وقال المالكية إن كان ظاهر الصلاح حين شهد بالزور، لا تقبل له شهادة بعد ذلك لاحتمال بقائه على الحالة التي كان عليها، وإن كان غير مظهر للصلاح حين الشهادة، ففي قبولها بعد ذلك إذا ظهرت توبته قولان، فاتقوا الله تعالى، واحذروا من الوقوع فيما حرم الله، وابتعدوا عما نهاكم عنه نبيكم الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه فقد تجرأ الكثير من الناس على قول الزور وشهادة الزور، وتجرأ الكثير بهذه الشهادة. 


إما لينفع شخصا في نظر الشاهد لقرابته أو لصداقته أو لعصبية، أو ليضر شخصا، إما لعداوته، أو من أجل أن يتقرب بها للمسؤول لنفع دنيوى، فما أكثر الشاهدين بهذه الشهادة للأعراض المذكورة، وغيرها من أمور الدنيا التي أنست الكثير من الناس أمور الآخرة، وجرأتهم على الوقوع في المحرمات، ومطاوعة الهوى والنفس والشيطان، وما يدري هذا الشاهد المتجرئ على محارم الله تعالى أنه قد ارتكب بهذه الشهادة عدة محاذير منها الكذب والافتراء، والله سبحانه وتعالى قال فى كتابه الكريم فى سورة غافر" إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب" ومنها أنه ضرّ الذي شهد له وهو يظن أنه ينفعه، حيث ساق إليه المال الحرام بشهادته الباطلة له، فوجبت له النار، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَن قضيت له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار" رواه البخارى ومسلم، فحكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، فقد يُنهى النزاع بشهادة كاذبة يظن القاضي أنها صحيحة، فليس له إلا الظاهر، وهي في الباطن كاذبة، شهادة زور تحمل شاهدها ذلك، وتجرأ المشهود على أخذ الحرام بتلك الشهادة الكاذبة، فالحرام حرام لا تحله الشهادة الكاذبة، وإن من المحاذير التي ارتكبها الشاهد شهادة الزور، إنه ظلم المشهود عليه، فأخذ ماله، أو عرضه، أو نفسه بتلك الشهادة الكاذبة، ومنها أنه أباح ما حرم الله تعالى وعصمه من المال والدم والعرض وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" رواه البخارى.

تعليقات