إعداد / محمــــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الرابع والعشرون مع الحلال بيّن والحرام بيّن، وقد توقفنا مع المضطر ومن هو المضطر؟ ويقول أحدهم أنا مضطر إلى قرض ربوى، فنقول له ألا يوجد أحد يقرضك؟ فيقول لا يوجد أحد، ويقال له سألت؟ يقول لم أسأل، أنا إنسان مقطوع من شجرة، وهذا ليس معقولا؟ فيجب أن تبحث عن قرض حسن، وإنه لا يسأل أحدا ويقول أنا مضطر، ولكن نقول له ما دمت أنت فى مجتمع مسلم فأنت لست مضطرا، فالإنسان عندما يتقي أن يعصي الله عز وجل الله يلقى في قلوب الآخرين الاندفاع نحو خدمته، والإنسان إذا نوى وصمم ألا يعصى الله الله عز وجل يهيئ له سبل الحلال، والنقطة الدقيقة الأخيرة وهى أن الإنسان لا يعد مضطرا إذا كان فى مجتمع مسلم، وهذا الكلام إذا كان فى سفر، أو فى بادية، أو فى صحراء، أو على وشك الموت جوعا، وهناك خنزير برى ممكن، أما ضمن مدينة لك أهل وأقرباء، لا تملك ثمن طعام دعيت إلى مطعم فيه لحم خنزير فعليك ألا تأكل إلا ما أحل الله لك، ولا تقول لا يوجد معى، فعليك أن تسأل، أو أقترض.
أو أطلب الطعام، ولا تأكل ما حرم الله، وهكذا دائما نقول بأن أخطر موضوع على الإطلاق بعد الإيمان بالله أن تعرف منهجه، وأن تحمل نفسك على سلوك ذلك المنهج، بل إن الإنسان إذا عرف الله عز وجل لا يشغله شيء إلا أن يبحث عن أمره ونهيه، والله سبحانه وتعالى يبين أن المرجح الوحيد بين الخلق هي الطاعة والتقوى، حين قال سبحانه وتعالى فى سورة الحجرات " إن أكرمكم عند الله أتقاكم" فإنه ليس الولى الذى يطير فى الهواء، وليس الولى الذى يمشى على وجه الماء، ولكن الولى كل الولى الذى تجده عند الحلال والحرام، وإن الولي كل الولي أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، وإنه يوجد سلوك يقال عنه بأنه سلوك استعراضى وهو أن تضع المصحف في جيبك، أو أن تعلقه في مركبتك، أو أن تضعه في بيتك، فإن هذا سلوك استعراضى، إذا لم يكن هناك طاعة حقيقية لله عز وجل فهذا السلوك الاستعراضي لا يقدم ولا يؤخر، فكن عميقا، تعلق بجوهر الدين، اقتدى بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رضى الله عنهم.
لأنهم كانوا عند الأمر والنهى، ومن صفات الفاروق عمر رضى الله عنه عملاق الإسلام أنه كان وقافا عند كتاب الله، فلذلك موضوع الحلال والحرام هذا قد لا يلفت نظر الذين قصروا في معرفة الله، لأن شرف الأمر من شرف الآمر، فكلما عَظم الله عندك عظم أمره، وكلما جلَّ ربك في عينك جلَّ أمره أيضا، فسبيل تعظيم الله تعظيم أمره، ودليل محبتك له طاعته، بل إن الله تعالى جعل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقياسا لمحبته، فقال تعالى فى سورة آل عمران " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " وأما عن الحلال والحرام فى الملبس والزينة في حياة المسلم فإن الإسلام أباحها للمسلم، بأن يكون ذا هيئة حسنة، ولا أدري لماذا استقر في عقول الناس في العصور الوسطى أو عصور الانحطاط إن من علامات المسلم الولى أن تكون هيئته مزرية، فمن قال لك ذلك؟ فالنبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يقول " أصلحوا رحالكم، وحسنوا لباسكم، حتى تكونوا شامة بين الناس " فإصلاح حال ثيابك، وإصلاح شأنك.
وإصلاح ثيابك، والتجمل من الدين، فلذلك أباح الإسلام للمسلم أن يكون ذا هيئة حسنة، وأن يكون كريم المظهر، فأنت سفير ولكن سفير أي دولة، فإنك سفير الإسلام، فأنت عند الناس مسلم، والمسلم يجب أن يكون حسن المظهر، جميل الهندام، متمتعا بما خلق الله له من زينة، وثياب، وريش، من دون إسراف، ولا مخيلة، ولا علو على الناس، إلا أن المظهر جزء من شخصيتك، بل إن علماء النفس يقولون "الإنسان إذا اعتنى بمظهره فهذا يظهر في قوة شخصيته" فإذا وجد خطأ في ثيابك، أو خطأ في هندامك، أو خطأ بشكلك العام، أى لست مهتما بشعرك، ولست مهتما برائحتك، و لست مهتما بنظافتك، فإن هذا مما يضعف شخصيتك، وقد يربكك فى الكلام، فإن أحد أسباب الحبسة في الكلام هو ضعف الثقة بالذات، وأحد أسباب قوة الشخصية الهندام الحسن، فلذلك ليس غريبا أن يكون المؤمن ذا هندام حسن، وذا مظهر طيب ومقبول، فإن الغرض من الثياب بشكل بديهى أمران هو ستر العورة والتزين به، والله سبحانه وتعالى امتن على الإنسان بما هيأ.
له من لباس ورياش، فمن خلق القطن؟ إنه الله عز وجل، وأيضا نقول من خلق الصوف لننتفع به؟ إنه الله عز وجل، وإن ما ننعم به من ثياب إنما هى من خلق الله عز و جل، لكنه أكرمنا بأن ألهمنا أن نغزلها، وأن ننسجها، وأن نخيطها، وأن نصبغها، كى نتزين بها، والحقيقة أنه يوجد فى الإنسان شيء عجيب، فالإنسان خلق عاريا لكن الله أعطاه هذا الفكر فصنع به أجمل الثياب، وخلق بلا مأوى فأعطاه الله هذا الفكر فسكن أجمل البيوت، فإن الله عز و جل عندما أعطى الفكر للإنسان أعطاه كل شيء على الإطلاق، فبه لبس أحسن الثياب، و به سكن أجمل البيوت، وبه انتقل بسرعة عن طريق مركبات اخترعها، وهذا الفكر كرم الله تعالى به الإنسان، وهو أثمن عطاء على الإطلاق، إلا أنه ينبغي أن تعمله لما خُلق له، وهذا الفكر خلق من أجل أن تعرف الله عز و جل من خلاله،إذا التستر والتزين، والإنسان إذا انحرف عن هذين الشرطين فقد استجاب لنداء الشيطان قال تعالى فى سورة الأعراف " يا بنى آدم لا يفتتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما"
حتى صار التعرى من لوازم الكفر، وهكذا فإن ارتباط ثياب المرأة بدينها يجب أن يكون ارتباطا وثيقا، فإن موضوع الثياب متعلق بالدين ولاسيما المرأة، فالمرأة كل سنتمتر من ثيابها يقابله زيادة في إيمانها، فالمرأة بالدرجة الأولى ثيابها مرتبطة ارتباطا وثيقا بدينها وإيمانها، فكلما تسترت ارتقت عند الله تعالى، وكلما تبذلت سقطت من عين الله عز وجل، لأنه حينما تتبذل تصبح مؤذية لخلق الله تعالى، لا إيذاء سلبيا بل إيذاء إيجابيا، فهى تغريهم به وإن هناك في الطريق تجد شاب أعزب، أو في الطريق رجل متزوج أو امرأته مريضة، فهذه التي تبدو في أجمل زينة في الطريق هذه تؤذى عباد الله عز وجل، فيمكن أن نقول إن دين المرأة مرتبط بثيابها، وهو طبعا مرتبط بثيابها بعض الارتباط، فلو رأيت طالبا في الطريق يرتدي ثياب الفتوة، أقل ما يشير إلى أنه طالب علم هذه الثياب، قد يكون فاشلا في دراسته، وقد يكون راسبا، وقد يكون مفصولا، ولكن أقل ما يشير إلى أن هذا الطالب طالب هو الثياب، والمرأة أقل ما يؤكد انتمائها للدين حجابها.
ولكن هل يكفى الحجاب وحده؟ فنقول بأنه لا يكفى، ولكن أقل أشارة إلى أنها مسلمة ثيابها، أما أعلى إشارة حبها لله، هو طلبها للعلم، ورعايتها لزوجها، وعنايتها بأولادها، ومعرفتها بربها، وإخلاصها لزوجها، لكن أقل دليل على أنها امرأة مسلمة حجابها، فموضوع الحجاب ونفصد به الحجاب للمرأة، فهوموضوع التستر للرجل هذا مرتبط بدينه، فالكافر دوما يميل إلى التعرى، وإلى كشف العورات، وإلى التبذل، وإلى إثارة الشهوات، لذلك ليس غريبا أن أقول لكم إن الانحرافات الخطيرة فى العلاقات بين البشر أساسها التبذل، فالزنا أساسه تبذل المرأة، والخلوة، والاختلاط، وحتى إن الانحرافات الخطيرة في الجنس أساسها التبذل، فإن تبذل امرأة أمام امرأة ربما قادهما إلى الانحراف، وتبذل شاب أمام شاب ربما قادهما إلى الانحراف، لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديث عن ابن عباس رضى الله عنهما " الفخذ عورة " رواه الترمذى، وهكذا فإن الانحرافات الخطيرة بين الشباب والفتيات بعد الزنا هو الشذوذ، فإن الزنا معروف بين رجل وامرأة.

تعليقات
إرسال تعليق