إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء السادس مع الأم فى عيدها، وعن منذر الثورى قال كان الإمام محمد الحنفية يمشط رأس أمه، فهكذا كان الأئمة والعلماء والأنبياء في الحرص الحثيث على بر أمهاتهم، فأين أولئك الذين يرفعون أصواتهم على أمهاتهم ويوبخونهن، أم أين أولئك الذين يتسببون في إدخال الحزن والقهر على أمهاتهم؟ أم أين أولئك الذين بلغت بهم شقوة أنفسهم لأن يضربوا أمهاتهم ويلحقون بهن الأذى الجسدي والنفسي؟ وإن من المؤسف أننا بدأنا نتبع الغرب ونترك ما أمرنا الله عز وجل من طاعة الوالدين، وعلى وجه الخصوص الأم حيث جعلوا لها يوما واحدا ندخل عليها السرور ونقدم لها الهداية وسمي هذا اليوم بيوم عيد الأم والله تعالى قد حذرنا من مشابهة اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم، وهل هذا ما طلبه الله ونبينا صلى الله عليه وسلم منا أن نجعل برها يوما واحدا؟ فواجب على كل مسلم أن يبر بوالدته، وأن يقدم لها أطيب ما عنده، وأن يدخل عليها السرور في كل وقت وحين، فهذا هو المطلوب شرعا منك، وليس من يدعي برها بعيد الأم لحظات وينتهي برها ، فهذا ظلم بحق الأم، فإن هذه الحقوق العظيمة التي لا يمكن لأحد أن يتجاهلها، وكيف وهو يخص أغلى إنسانة، وكيف وهو يخص تلك الدرة المصونة، والجوهرة الغالية، إنها الأم، نعم الأم نذكر بحقها سواء كانت حية أو ميتة، نعم الأم، وما أدراك ما الأم، إنها إحساس ظريف، وهمس لطيف، وشعور نازف بدمع جارف، فالأم هى كنز مفقود لأصحاب العقوق، وهى كنز موجود لأهل البر والودود، فالأم تبقي كما هي في حياتها وبعد موتها.
وفي صغرها وكبرها فهي عطر يفوح شذاه، وعبير يسمو في علاه، وزهر يشم رائحته الأبناء، وأريج يتلألأ في وجوه الآباء، ودفء وحنان، وجمال وأمان، ومحبه ومودة، ورحمه وألفه، وأعجوبة ومدرسه، وشخصيه ذات قيم ومبادئ، وعلو وهمم، وهي المربية الحقيقية لتلك الأجيال الناشئة، فالأم مدرسه إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق، فالأم هي قسيمه الحياة ، وموطن الشكوى، وعماد الأمر، وعتاد البيت، ومهبط النجاة وهي آية الله ومنته ورحمته لقوم يتفكرون، فالأم صفاء القلب ونقاء السريرة، ووفاء وولاء، وحنان وإحسان، وتسليه وتأسيه، وغياث المكروب ونجده المنكوب، فالأم أشد أمم الأرض بأسا، واسماها نفسا، وأدقها حسا، وأرسخها في المكرمات أقداما، وارفعها في الحادثات أعلاما، فالأم كوكب مضيء بذاته، ويسمو في صورته وسماته، وأجمل بلسما في صفاته ولها منظرا أحلى من نبراته، ونفس زكيه طاهرة بصلاته، وجسما غريبا يبهر في حجابه، وعيونا تذرف الحب بزكاته، جدها عبرة ومزحها نزهة، نخلة عذبة، وشجرة طيبة، ومخزن الودائع ومنبع الصنائع، فالأم نعم الجليس، وخير الأنيس، ونعم القرين في دار الغربة، ونعم الحنين في ساعة القربة، فقال تعالى " وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا" وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أبوك" رواه مسلم، وفي هذا عظم حق الأم على الوالد حيث جعل لها ثلاثة حقوق وذلك أنها صبرت على المشقة والتعب.
ولاقت من الصعوبات في الحمل والوضع والفصال والرضاع، والحضانة والتربية الخاصة، ما لم يفعله الأب وجعل للأب، حقا واحدا مقابل نفقته وتربيته وتعليمه وما يتصل بذلك، فإن لأمك حق لو علمت كثير، كثيرك يا هذا لديه يسير، فكم ليلة باتت بثقلك تشتكى لها من جواها أنآت وزفير، وفى الوضع لا تدري عليها، مشقة منها الفؤاد يطير، وكم غسلت عنك الأذى، وما حجرها إلا لديك سرير، وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها، حنانا وإشفاقا وأنت صغير، وتفديك مما تشتكيه بنفسها، ومن ثديها شرب لديك نمير، فضيعتها لما أسنّت جهالة، وطال عليك الأمر وهو قصير، فآها لذي عقل ويتبع الهوى، وآها لأعمي القلب وهو بصير، فدونك فارغب في عميم دعائها، فأنت لما تدعو إليه فقير، فاللهم وفقنا لطاعة امهاتنا وابائنا، فكم حزنت لتفرح، وجاعت لتشبع، وبكت لتضحك، وسهرت لتنام، وتحملت الصعاب في سبيل راحتك، إذا فرحت فرحت، وإن حزنت حزن، إذا داهمك الهمّ فحياتها في غمّ، أملها أن تحيى سعيدا رضيا راضيا مرضيا، فإن الام المخلوق الضعيف الذى يعطى ولا يطلب أجرا، ويبذل ولا يأمل شكرا، هل سمعت عن مخلوق يحبك أكثر من ماله؟ لا، بل أكثر من دنياه، لا، بل أكثر من نفسه التي بين جنبيه، نعم يحبك أكثر من نفسه، إنها الأم، الأم وكفى، رمز الحنان، فإن البر دأب الصالحين وسيرة العارفين، فقد أراد ابن الحسن التميمي قتل عقرب فدخلت في جحر، فأدخلها أصابعه خلفها فلدغته، فقيل له في ذلك، قال"خفت أن تخرج فتجيء إلى أمي وتلدغها" وقال محمد بن سيرين "بلغت النخلة على عهد عثمان رضي الله عنه ألف درهم.
فعمد أسامة بن زيد رضي الله عنهما إلى نخلة فاشتراها، فنقرها وأخرج جمّارها، فأطعمها أمه، فقالوا له ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال إن أمي سألتني ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتها" وهذا هو عبد الله بن عون نادته أمه فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين، وزين العابدين كان أبر الناس بأمه، وكان لا يأكل معها في صحفة واحدة، فقيل له إنك أبرّ الناس ولسنا نراك تأكل معها في صحفة واحدة؟ فقال "أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها، ولقد مضى بين أيدينا أقوام لا يعلو أحدهم بيته وأمه أسفله" فإنها الجنة، يا طالب الجنة، الزم قدميها فثمّ الجنة، فقد روى الترمذ عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه" وفي صحيح الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " رضا الرب من رضا الوالد، وسخطه الرب من سخط الوالد" وقال ابن عباس رضي الله عنهما " ما من مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسبًا إلا فتح الله بابين يعني من الجنة وإن كان واحدا فواحد، وإن أغضب أحدهما لم يرضى الله عنه حتى يرضى عنه، قيل وإن ظلما؟ قال "وإن ظلما" وأما عن الموقف الشرعي من عيد الأم فإن الإسلام غني عما ابتدعه الآخرون سواء عيد الأم أو غيره، وفي تشريعاته من البر بالأمهات ما يغنى عن عيد الأم المبتدع، فقد قال العلماء أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد إما بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع
أو نحو ذلك فالعيد يجمع أمورا منها يوم عائد كيوم عيد الفطر ويوم الجمعة، ومنها الاجتماع في ذلك اليوم ومنها الأعمال التي يقام بها في ذلك اليوم من عبادات وعادات، وأن ما كان من ذلك مقصودا به التنسك والتقرب أو التعظيم كسبا للأجر، أو كان فيه تشبه بأهل الجاهلية أو نحوهم من طوائف الكفار فهو بدعة محدثة ممنوعة داخلة في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري ومسلم، مثال ذلك الاحتفال بعيد مولد النبى وعيد الأم لما في الأول من إحداث عبادة لم يأذن بها الله، وكما في ذلك التشبه بالمشركين ونحوهم من الكفرة، ولما في الثاني والثالث من التشبه بالكفار، وما كان المقصود منه تنظيم الأعمال مثلا لمصلحة الأمة وضبط أمورها فهو من البدع العادية التى لا يشملها قوله صلى الله عليه وسلم " من أحدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد " فلا حرج فيه بل يكون مشروعا، وقد قالوا أيضا أنه لا يجوز الاحتفال بما يسمى عيد الأم ولا نحوه من الأعياد المبتدعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " وليس الاحتفال بعيد الأم من عمله صلى الله عليه وسلم ولا من عمل أصحابه رضى الله عنهم ولا من عمل سلف الأمة، وإنما هو بدعة وتشبه بالكفار، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز، اطلعت على ما نشرته صحيفة الندوة تحت عنوان تكريم الأم وتكريم الأسرة، فألفيت الكاتب قد حبذ من بعض الوجوه ما ابتدعه الغرب من تخصيص يوم في السنة يحتفل فيه بالأم وأَورد عليه شيئا غفل عنه المفكرون في إحداث هذا اليوم
وهي ما ينال الأطفال الذين ابتلوا بفقد الأم من الكآبة والحزن حينما يرون زملائهم يحتفلون بتكريم أمهاتهم واقترح أن يكون الاحتفال للأسرة كلها واعتذر عن عدم مجيء الإسلام بهذا العيد، لأن الشريعة الإسلامية قد أوجبت تكريم الأم، ولقد أحسن الكاتب فيما اعتذر به عن الإسلام وفيما أورده من سيئة هذا العيد التي قد غفل عنها من أحدثه ولكنه لم يشر إلى ما في البدع من مخالفة صريح النصوص الواردة عن رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام ولا إلى ما في ذلك من الأضرار ومشابهة المشركين والكفار فأردت بهذه الكلمة الوجيزة أن أنبه الكاتب وغيره على ما في هذه البدعة وغيرها مما أحدثه أعداء الإسلام والجاهلون به من البدع في الدين حتى شوهوا سمعته ونفروا الناس منه وحصل بسبب ذلك من اللبس والفرقة ما لا يعلم مدى ضرره وفساده إلا الله سبحانه، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التحذير من المحدثات في الدين وعن مشابهة أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين مثل قوله صلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخارى ومسلم، وفي لفظ لمسلم" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " والمعنى فهو مردود على ما أحدثه وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم الجمعة " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة "رواه مسلم، ولا ريب أن تخصيص يوم من السنة للاحتفال بتكريم الأم أو الأسرة من محدثات الأمور.
التي لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته المرضيون، فوجب تركه وتحذير الناس منه، والاكتفاء بما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن الكاتب أشار إلى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بتكريم الأم والتحريض على برها كل وقت وقد صدق في ذلك فالواجب على المسلمين أن يكتفوا بما شرعه الله لهم من بر الوالدة وتعظيمها والإحسان إليها والسمع لها في المعروف كل وقت وأن يحذروا من محدثات الأمور التي حذرهم الله منها والتي تفضي بهم إلى مشابهة أعداء الله والسير في ركابهم واستحسان ما استحسنوه من البدع, وليس ذلك خاصا بالأم بل قد شرع الله تعالى للمسلمين بر الوالدين جميعا وتكريمهما والإحسان إليهما وصلة جميع القرابة وحذرهم سبحانه من العقوق والقطيعة وخص الأم بمزيد العناية والبر، لأن عنايتها بالولد أكبر ما ينالها من المشقة في حمله وإرضاعه وتربيته، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور" وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله أي الناس أحق بحسن صحابتي ؟ قال أمك ، قال ثم من ؟ قال ثم أمك ، قال ثم من ؟ قال ثم أمك ، قال ثم من ؟ قال أبوك ثم الأقرب فالأقرب، وقال صلى الله عليه وسلم " لا يدخل الجنة قاطع " يعني قاطع رحم، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "من أحب أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أجَله فليصل رحمه "

تعليقات
إرسال تعليق