الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فما رغب الإسلام في شيء كترغيبه في البر بالوالدين والإحسان إليهم.
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (سورة الأحقاف ،الآية :15)
جاء في تفسير الإمام الطبري رحمه الله ، القول في تأويل قوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
يقول تعالى ذكره: ووصينا ابن آدم بوالديه الحسن في صحبته إياهما أيام حياتهما, والبرّ بهما في حياتهما وبعد مماتهما.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (حُسنا) فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة " حُسنا " بضمّ الحاء على التأويل الذي وصف. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة (إحْسانا) بالألف, بمعنى: ووصيناه بالإحسان إليهما, وبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب, لتقارب معاني ذلك , واستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في القرّاء.
وقوله ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) يقول تعالى ذكره: ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا برّا بهما, لما كان منهما إليه حملا ووليدا وناشئا, ثم وصف جلّ ثناؤه ما لديه من نعمة أمه, وما لاقت منه في حال حمله ووضعه, ونبهه على الواجب لها عليه من البرّ, واستحقاقها عليه من الكرامة وجميل الصحبة, فقال: ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ ) يعني في بطنها كرها, يعني مشقة,( وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) يقول: وولدته كرها يعني مشقة.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) يقول: حملته مشقة, ووضعته مشقة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة والحسن , في قوله ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) قالا حملته في مشقة, ووضعته في مشقة.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أَبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ) قال: مشقة عليها.
اختلف القرّاء في قراءة قوله (كُرْها) فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة " كَرها " بفتح الكاف. وقرأته عامة قرّاء الكوفة (كُرها) بضمها, وقد بينت اختلاف المختلفين في ذلك قبل إذا فتح وإذا ضمّ في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان, متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) يقول تعالى ذكره: وحمل أمه إياه جنينا في بطنها, وفصالها إياه من الرضاع, وفطمها إياه, شرب اللبن ثلاثون شهرا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (وَفِصَالُهُ) , فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار غير الحسن البصري: (وحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ) بمعنى: فاصلته أمه فصالا ومفاصلة. وذُكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: " وحَمْلُهُ وَفَصْلُهُ" بفتح الفاء بغير ألف, بمعنى: وفصل أمه إياه.
والصواب من القول في ذلك عندنا, ما عليه قرّاء الأمصار, لإجماع الحجة من القراء عليه، وشذوذ ما خالف.
وقوله ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) اختلف أهل التأويل في مبلغ حد ذلك من السنين, فقال بعضهم: هو ثلاث وثلاثون سنة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خثيم, عن مجاهد, عن ابن عباس, قال: أشدّه: ثلاث وثلاثون سنة, واستواؤه أربعون سنة, والعذر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) قال: ثلاثا وثلاثين.
وقال آخرون: هو بلوغ الحلم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا مجالد, عن الشعبيّ, قال: الأشدّ: الحلم إذا كتبت له الحسنات, وكتبت عليه السيئات.
وقد بيَّنا فيما مضى الأشدّ جمع شدّ, وأنه تناهي قوّته واستوائه. وإذا كان ذلك كذلك, كان الثلاث والثلاثون به أشبه من الحلم, لأن المرء لا يبلغ في حال حُلمه كمال قواه, ونهاية شدّته, فإن العرب إذا ذكرت مثل هذا من الكلام, فعطفت ببعض على بعض جعلت كلا الوقتين قريبا أحدهما من صاحبه, كما قال جلّ ثناؤه: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ ولا تكاد تقول أنا أعلم أنك تقوم قريبا من ساعة من الليل وكله, ولا أخذت قليلا من مال أو كله, ولكن تقول: أخذت عامة مالي أو كله, فكذلك ذلك في قوله ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) لا شك أن نسق الأربعين على الثلاث والثلاثين أحسن وأشبه, إذ كان يراد بذلك تقريب أحدهما من الآخر من النسق على الخمس عشرة أو الثمان عشرة.
وقوله ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) ذلك حين تكاملت حجة الله عليه, وسير عنه جهالة شبابه وعرف الواجب لله من الحق في بر والديه.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) وقد مضى من سيئ عمله.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ) حتى بلغ ( مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) وقد مضى من سيئ عمله ما مضى.
وقوله ( قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ) يقول تعالى ذكره: قال هذا الإنسان الذي هداه الله لرشده, وعرف حقّ الله عليه فيما ألزمه من برّ والديه ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) يقول: أغرني بشكر نعمتك التي أنعمت عليّ في تعريفك إياي توحيدك وهدايتك لي للإقرار بذلك, والعمل بطاعتك ( وَعَلَى وَالِدَيَّ ) من قبلي, وغير ذلك من نعمتك علينا, وألهمني ذلك. وأصله من وزعت الرجل على كذا: إذا دفعته عليه.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) قال: اجعلني أشكر نعمتك, وهذا الذي قاله ابن زيد في قوله ( رَبِّ أَوْزِعْنِي ) وإن كان يئول إليه معنى الكلمة, فليس بمعنى الإيزاع على الصحة.
وقوله ( وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) يقول تعالى ذكره: أوزعني أن أعمل صالحا من الأعمال التي ترضاها, وذلك العمل بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وقوله ( وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) يقول: وأصلح لي أموري في ذرّيتي الذين وهبتهم, بأن تجعلهم هداة للإيمان بك, واتباع مرضاتك, والعمل بطاعتك, فوصفه ووصاه جل ثناؤه بالبرّ بالآباء والأمهات والبنين والبنات. وذُكر أن هذه الآية نـزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
وقوله ( إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا الإنسان.( إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ ) يقول: تبت من ذنوبي التي سلفت مني في سالف أيامي إليك ( وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يقول: وإني من الخاضعين لك بالطاعة, المستسلمين لأمرك ونهيك, المنقادين لحكمك.
و بر الوالدين قد حث الرسول صلى الله عليه وسلم
على برّ الوالدين في أحاديث عديدة، وبيّن فضل برّ الوالدين كفضل الجهاد في سبيل الله، وبيّن أنّها من أعظم الطاعات، وفيما يلي الأحاديث التي تحث على برّ الوالدين:
رُوِي عن عبدالله بن مسعود أنّه قال: سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم: (أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثمّ أي؟ قال: ثمّ برّ الوالدين، قال: ثمّ أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدّثني بهن، ولو استزدته لزادني).[رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن مسعود، الرقم: 527].
(جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسولَ اللهِ، من أحقُّ الناسِ بحُسنِ صَحابتي؟ قال: أُمُّك، قال: ثمّ من؟ قال: ثمّ أُمُّك، قال: ثمّ من؟ قال: ثمّ أُمُّك، قال: ثمّ من؟ قال: ثمّ أبوك).[رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة ، الرقم: 5971].
(أقبل رجلٌ إلى رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: "أُبايِعْك على الهجرةِ والجهادِ، أبتغي الأجرَ من اللهِ، قال فهل من والدَيك أحدٌ حيٌّ؟ قال نعم، بل كلاهما، قال فتبتغي الأجرَ من اللهِ؟ قال نعم، قال فارجِعْ إلى والدَيك فأحسِنْ صُحبتَهما).[رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبدالله بن عمرو، الرقم: 2549]..
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (نمتُ فرأيتُني في الجنَّةِ فسَمِعْتُ صوتَ قارئٍ يقرأُ فقُلتُ مَن هذا فقالوا هذا حارثةُ بنُ النُّعمانِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلم كذلكَ البِرُّ كذلكَ البِرُّ وَكانَ أبرَّ النَّاسِ بأمِّهِ).[رواه الوادعي، في الصحيح المسند، عن عائشة أم المؤمنين، الرقم: 1555].
قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (رضا الرَّبِّ في رضا الوالدِ، وسخطُ الرَّبِّ في سخطِ الوالدِ).[رواه الألباني، في صحيح ترمذي، عن عبدالله بن عمرو، الرقم: 1899]
قال الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: (رغِم أنفُ رجُلٍ ذُكِرْتُ عندَه فلَمْ يُصَلِّ علَيَّ، ورغِم أنفُ رجُلٍ أدرَك أبوَيْهِ عندَ الكِبَرِ فلَمْ يُدخِلاه الجنَّةَ، ورغِم أنفُ رجُلٍ دخَل عليه شهرُ رمضانَ ثمَّ انسلَخ قبْلَ أنْ يُغفَرَ له).[رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن أبي هريرة، الرقم: 908].
جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: (يا رسولَ اللهِ، ما الكبائرُ؟ قال الإشراكُ باللهِ، قال: ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ عقوقُ الوالدَينِ، قال: ثمّ ماذا؟ قال : اليمينُ الغموسُ، قلتُ: وما اليمينُ الغموسُ؟ قال: الذي يقتطعُ مالَ امرئٍ مسلمٍ، هو فيها كاذبٌ).[رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عمرو، الرقم: 6920.]
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال، عن الرسول صلى الله عليه وسلّم قال: (ثلاثُ دعَواتٍ مُستَجاباتٌ لا شَكَّ فيهِنَّ دَعوةُ الوالِدِ، ودَعوَةُ المسافِرِ، ودعوَةُ المَظلومِ).[رواه الألباني، في صحيح أبي داوود، عن أبي هريرة، الرقم: 1536]
بر الوالدين البرّ لُغةً يعني الخير، والصدق، والطاعة، والفضل، أمّا شرعاً يعني احترام وطاعة وإكرام الوالديْن، والإحسان إليهما ورفع الأذى عنهما، وتولي رعايتهما، والرفق بهما عند الكبر، والصبرّ عليهما، ويُعتبرّ برُ الوالدين من أجل الطاعات وأحبها التي يتقرب بها العبد إلى ربه،[ "برّ الوالدين"، دار القرآن الكريم] .
وقرن الله تعالى عبادته مع الإحسان إليهما في الآية الآتية: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً).[ سورة الإسراء، (آية: 23-24)].
وقد جاءت الأدلة القرآنيّة على بر الوالدين متوافرة
قال الله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).[سورة الأنعام، آية: 151]
قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).[سورة سورة لقمان، آية: 14]
قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).[سورة العنكبوت، آية: 8]
قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).[سورة البقرة، آية: 83]
والأمثلة على بر الوالدين أكثر من أن تحصي فقد قدّم لنا الصحابة رضوان الله عليهم أعظم الأمثلة في برّ الوالدين، منها الآتي:
ما يروى عن الصحابيّ أسامة بن زيد، كان له شجرة نخل مُثمرة بالمدينة، وكانت النّخلة تساوي قيمة ألف دينار، في أحد الأيام اشتهت أمه الجمار، وهو الجزء الرّطب في قلب النخلة، فقطع أسامة بن زيد شجرة النّخيل المثمرة ليُطعم جمارها إلى والدته، فلمّا سألوه الصحابة عن ذلك؟ أجابهم: أي شيء تطلبه منّي أمي وأستطيع فعله إلّا قمت به. كان عليّ بن الحسين باراً بأمه كثيراً، بالرّغم من ذلك لم يكن يشاركها الأكل في إناءٍ واحد، فسألوه: إنّك كثير البرّ بأّمك ومع هذا لا نراك تأكل معها من نفس الإناء؟ أجاب: أخاف أن آخذ شيء تكون عينها سبقت إليه، فأصبح عاقّاً. وهذا ظبيان بن علي الثّوري كان شديد البرّ بأمه، وكان يسافر معها إلى مكة المكرمة، وعندما يكون الطّقس شديد الحر، كان يحفر بئراً ثمّ يصّبُ فيه الماء، ويقول لأمّه: ادخلي هذا البئر علّك تبردي فيه. عن أنس بن النّضير الأشجعي : طلبت أم ابن مسعود سُقيا ماء في ليلة من اللّيالي ثمّ غلبها النّوم، وعندما عاد لها بشربة ماء وجدها نائمة فثبت شربة الماء فوق رأسها هكذا هو البر .
ومن المعين علي بر الوالدين والإحسان إليهم :
مخاطبتهما باحترام، وبالكلام الحسن، وبصوت منخفض. تقبيل رأسهما عند دخول البيت. إكرامهما والإنفاق عليهما. التّودد لهما، وإدخال السرور لهما بالهدايا والأشياء التي يحبونها. المُسارعة في تلبية نداءهما عند الطلب، وعدم التذمّر منهما. عدم رفع الصّوت عليهما، ومُنادتهما بأحب الألقاب لهما. الصبرّ عليهم، فهو كالجهاد. المشي وراءهما، أو بجانبهما، وليس أمامهما أبداً، وعدم الجلوس قبلهما، وعدم البدء بأكل الطعام قبلهما. مشاورتهما وأخذ رأيهما في بعض الأمور. تقديم الخدمة لهما، والتردّد عليهما دائماً. تعليمهما ما ينفعهما في الحياة اليوميّة، وفي أمور الدّين. مداعبتهما بالرفق واللّين من أحبّ الطاعات إلى الله عزّ وجلّ، وإدخال السّرور لهما بنقل الأخبار الحسنة دون الأخبار السيّئة. عدم إكثار الطّلبات منهما، وشكرهما دائماً على ما قدّموه. تجنّب مجادلتهما وقت الغضب. الدعاء لهما بالرحمة والمغفرة وإطالة العمر بالأعمال الصالحة، ودخول الجنة، وحمايتهم من الأمراض أو شفائهم لو أصيبوا بها.
الصدقة عنهما، إما عن طريق الوقف الخيري أو الصدقة المباشرة، ويمكن أيضًا إشراكهما ببناء مسجد، أو طباعة مصاحف والتصدق فيها، أو حفر آبار أو بناء مساجد ودور رعاية لكبار السن.
و يُعتبرّ برّ الوالدين من أعظم الأعمال وأحبّها عند الله عزّ وجلّ، حتّى أنها جاءت أحياناً بعد الصّلاة، أو بمرتبة الجهاد، وغيرها من الفضل العظيم الذي يعود بالنّفع على المسلم البار.
فبرهم سبب لزيادة العمر والرّزق:فقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (من سره أن يُمد له عمره، ويزاد في رزقه فليبرّ والديه وليصل رحمه).[رواه المنذري، في الترغيب والترهيب، عن أنس بن مالك، الرقم: 3/293].
سبب لكسب برّ الأبناء لاحقاً: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (برّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم).[رواه الهيثمي المكي، في الزواجر، عن عبدالله بن عمر، الرقم: 2/75]
سبب لمغفرة ذنوب العبد: كما ورد في الآية الكريمة، قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ).[سورة الأحقاف، آية: 15]
سبب لتفريج الهموم والكروب: ويدل على ذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه، فقد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (بيْنَما ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فأوَوْا إلى غَارٍ في جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ علَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عليهم، فَقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إنَّه كانَ لي وَالِدَانِ شيخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عليهم، فَإِذَا أَرَحْتُ عليهم، حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُما قَبْلَ بَنِيَّ، وَأنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَومٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُما قدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كما كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بالحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِما أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُما مِن نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذلكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذلكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا منها فُرْجَةً، نَرَى منها السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ منها فُرْجَةً، فَرَأَوْا منها السَّمَاءَ).[رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عبدالله بن عمر، الرقم: 2743، صحيح.]
وكذلك استجابة دعاء الوالد للولد البار: فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (ثلاثُ دعَواتٍ يُستجابُ لَهنَّ لا شَكَّ فيهنَّ دعْوةُ المظلومِ ودعْوةُ المسافرِ ودعْوةُ الوالدِ لولدِه).[رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن أبو هريرة، الرقم: 3129، حسن]
وهو سبب من أسباب قبول التوبة: ودلّ على ذلك قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (أنَّهُ أتاهُ رجلٌ، فقالَ: إنِّي خَطبتُ امرأةً فأبَت أن تنكِحَني، وخطبَها غَيري فأحبَّت أن تنكِحَهُ، فَغِرْتُ علَيها فقتَلتُها، فَهَل لي مِن تَوبةٍ؟ قالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قالَ: لا، قالَ: تُب إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وتقَرَّب إليهِ ما استَطعتَ، فذَهَبتُ فسألتُ ابنَ عبَّاسٍ: لمَ سألتَهُ عن حياةِ أُمِّهِ؟ فقالَ: إنِّي لا أعلَمُ عملًا أقرَبَ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ مِن برِّ الوالِدةِ).[رواه الألباني، في السلسلة الصحيحة، عن عطاء بن يسار، الرقم: 6/711]
ويسن لهم الدعاء في كل الأوقات إن كانوا أحياء أن يمن الله عليهم بالصحة والعافية والسعادة والستر وإن كانوا أموات أن يرحمهم الله ويغفر لهم ويتجاوز عنهم وأن يقبلهم ويتقبل منهم .
لتقول داعيا : اللهم لا تجعل لهما ذنبًا إلا غفرته، ولا همًا إلا فرجته، ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضى ولهما فيها صلاح إلا قضيتها. اللهم اغفر لوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرًا، اللهم يا باسط اليدين بالعطايا، ابسط على والدتي من فضلك العظيم وجودك الواسع ما تشرح به صدرها لعبادتك وطاعتك والأنس بك والعمل بما يرضيك، وبارك لها في عمرها بركة تهنئها بها في معيشتها وتلبسها بها ثوب العافية في قلبها وروحها وعقلها وجسدها، واغنها من فضلك وأعنها في حلها وترحالها وذهابها وإيابها وأطل في عمرها مع العافية في صحتها ودينها، واجعل اللهم آخر كلامها من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله. اللهم اجعل أوقاتهما بذكرك معمورة، اللهم أسعدهما بتقواك، اللهم اجعلهما في ضمانك وأمانك وإحسانك، اللهم ارزقهما عيشا قارًا، ورزقا دارًا، وعملا بارًا، اللهم ارزقهما الجنة وما يقربهما إليها من قول أو عمل، وباعد بينهما وبين النار وبين ما يقربهما إليها من قول أو عمل. اللهم تقبل توبتهما، وأجب دعوتهما، اللهم إنا نعوذ بك أن تردهما إلى أرذل العمر، اللهم واختم بالحسنات أعمالهما. اللهم اجعل أوسع رزقهما عند كبر سنهما وانقطاع عمرهما، اللهم اغفر لهما جميع ما مضى من ذنوبهما واعصمهما فيما بقي من عمرهما، وارزقهما عملاً زكيًا ترضى به عنهما، اللهم تقبل توبتهما وأجب دعوتهما، اللهم إنا نعوذ بك أن تردهما إلى أرذل العمر. اللهم ورضهم علينا، اللهم ولا تتوفّاهما إلا وهما راضيان عنا تمام الرضى. اللهم وأعنا على خدمتهما كما يبغي لهما علينا، اللهم اجعلنا يا رب طائعين لهما.
اللهم وفقنا للبر بهم والعمل على راحتهم وقر أعيننا بهم.. اللهم آمين.

تعليقات
إرسال تعليق