بقلم : محمد بركات
الحمد لله رب العالمين، خلقنا ورزقنا وأعطانا عن غير مسألة منا فله الحمد كله وله الشكر كله وله الثناء الكامل له، وصلاة وسلاما علي رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من دعا للحق وأرشد إلي كل خير وبعد:
فالوفاء قيمة القيم وأصل الأصول عز وجوده إلا عند ذوي الأصول وهو قيمة رفعة وشأن ورسولنا المصطفي صلي الله عليه وسلم سيد الأوفياء والأتقياء من ضرب أروع الأمثلة في وفاءه صلي الله عليه وسلم.
والوفاء من الخصال الإنسانية والأخلاقية العظيمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوفاء بالوعد، والوفاء بمعناه الإنساني والأخلاقي الواسع الذي يقود إلى صُنع الجميل والعرفان بالجميل عند أصحاب القلوب المخلصة والعقول الراقية من نفتقدهم بشكل ملحوظ في زماننا هذا
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثال الوفاء بالوعود التي يعطيها للآخرين مهما كانت صعبة لا يتحلل منها ولاشكّ أنّ مَن يتحلّى بالأمانة يكون مثار التقدير والإعجاب والاحترام ومحلّ ثقة الناس واعتزازهم.
وقد جاء في سموّ هذه الصفة الكريمة، ومدح المتحلِّين بها بقوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ» (سورة المعارج:، الآية 32).
وقد حثّ على الالتزام بهذه الصفة وأمر بأدائها بقوله تعالى: «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل» (سورة النِّساء، الآية: 58).
وقد أشاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الصفة النبيلة وهو مثلها الأعلى، حتى لُقِّب بالصادق الأمين قبل أن يُبعث رسولاً، بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أداء الأمانة يجلب الرِّزق، والخيانة تجلب الفقر».
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تزال أُمّتي بخير، ما لم يتخاونوا، وأدّوا الأمانة، وآتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين».
وإذا ما وقفنا علي بعض من نماذج وفاء النبي صلى الله عليه وسلم تجده مثالا مضيئا في عالم الوفاء وقيمته العليا
إنَّ الوفاء بالعهد خلق كريم، ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالمحل الأفضل والمثال الأظهر والمقام الأسمى، والمكان الأشرف، فوفاؤه.صلي الله عليه وسلم كان مضرب المثل، وحقَّ له ذلك، وهو سيد الأوفياء . (هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا محب)) لأبي بكر الجزائري (ص 556).
. ويتجلى لنا بكل وضوح وفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في صور كثيرة منها:
وفاؤه صلى الله عليه وسلم بالعهد لعدوه:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفي بالعهود والمواثيق التي تكون بينه وبين أعداء الإسلام.
(فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب لما قالا: نقول: إنه رسول الله (لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما) ( رواه أبو داود (2761)، وأحمد (3/487) (17032) من حديث نعيم بن مسعود رضي الله عنه. قال الحاكم (2/155): صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع) (1339).
وجاء كذلك أنه صلي الله عليه وسلم قال لأبي رافع، وقد أرسلته إليه قريش، فأراد المقام عنده، وأنه لا يرجع إليهم فقال: ((إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إلى قومك، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع)
رواه أبو داود (2785)، وأحمد (6/8) (23908)، والنسائي في (السنن الكبرى) (8/52) (8621) من حديث أبي رافع رضي الله عنه. وصحح إسناده الألباني في (السلسلة الصحيحة)
. وثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنَّه ردَّ إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم، أن يردَّ إليهم من جاءه منهم مسلمًا) (زاد المعاد) لابن القيم (5/79).
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل. قال: فأخذنا كفار قريش. قالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر. فقال: (انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)] رواه مسلم (1787).
وتجد وفاءه صلى الله عليه وسلم لزوجاته ليس له نظير ولا مثيل :
فمن وفائه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، أنه كان يكرم صديقات زوجته خديجة رضي الله عنها بعد موتها،
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بالشيء يقول: (اذهبوا به إلى فلانة؛ فإنها كانت صديقة خديجة، اذهبوا به إلى بيت فلانة؛ فإنها كانت تحب خديجة)
رواه البخاري في (الأدب المفرد) (232)، وابن حبان (15/467) (7007)، الحاكم (4/193) (7339) من حديث أنس رضي الله عنه. وصحح إسناده الحاكم، وصححه الذهبي، وحسنه الألباني في (صحيح الأدب المفرد)
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (ما غرت على أحد من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها؛ وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبع بها صدائق خديجة؛ فيهديها لهنَّ)
رواه الترمذي (2017) من حديث عائشة رضي الله عنها. وقال: حسن صحيح غريب. وصححه الألباني في (صحيح الترمذي).
هذا هو الوفاء بأشمل صوره وأظهر سبله في رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي ونفسي صلوات ربي وسلامه عليه...اللهم اجعلنا من الأوفياء الأتقياء الأصفياء.

تعليقات
إرسال تعليق