إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثالث عشر مع الصدق والصادقين، وقد توقفنا مع الكذب، وأما عن الكذب فإن النبي الكريم محمد صلى الله عليه، وسلم، حذر منه، فقال " وإياكم والكذب " ومعنى إياكم هو للتحذير، أي احذروا الكذب والكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم "وإن الكذب يهدي إلى الفجور" فإن الفجور هو الخروج عن طاعة الله عز وجل، لأن الإنسان يفسق ويتعدى طوره ويخرج عن طاعة الله تعالى إلى معصيته، وأعظم الفجور هو الكفر عياذا بالله فإن الكفرة فجرة، كما قال الله عز وجل فى كتابه الكريم كما جاء فى سورة عبس " أولئك هم الكفرة الفجرة" وقال الله عز وجل فى كتابه الكريم كما جاء فى سورة المطففين " كلا إن كتاب الفجار لفى سجين، وما أدراك ما سجين، كتاب مرقوم، ويل يؤمئذ للمكذبين، الذين يكذبون بيوم الدين " ولقد رغب الإسلام في الصدق وحث عليه في مجالات الحياة كلها واهتم به اهتماما كبيرا، ولأهمية الصدق والعناية به في شئون الحياة كلها تضافرت نصوص القرآن الكريم والسنة النبويه في الحث عليه والتحلي به فقد ورد لفظ الصدق في القرآن الكريم في ثلاثة وخمسين ومائة موضعا، وإن الأنبياء عليهم السلام كلهم موصوفون بالصدق، فالله خلق اللسان آلة للنطق وعلى الإنسان أن يستخدمها في الصدق والخير والذكر، وإلا فالصمت أولى وأنجى.
فيقول أبو حاتم إن الله عز وجل فضل اللسان على سائر الجوارح، ورفع درجته، وأبان فضيلته، بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده، فلا يجب للعاقل أن يعود آلة خلقها الله للنطق بتوحيده بالكذب، بل يجب عليه المداومة برعايته بلزوم الصدق، وما يعود عليه نفعه في داريه، لأن اللسان يقتضي ما عُود إن صدقا فصدقا، وإن كذبا فكذبا، وإن صلاح اللسان صلاح لأعضاء الجسد كلها وفساده فساد لأعضاء الجسد كلها، وقد ضمن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الجنة لمن حفظ لسانه من خبيث الكلام، وهكذا رغب الإسلام في الصدق ورهب من الكذب كما جاء في القرآن والسنة، وإن كثير من الناس يعتقد أن الصدق مقتصر على مطابقة الخبر للواقع أي كذب اللسان أن يحدث بخلاف الواقع وهذا أحد أنواع ومجالات الصدق وهناك أنواع ومجالات أخرى للصدق تتمثل فى صدق اللسان، وهو الصدق في الأقوال وهو أشهر أنواع الصدق وأظهرها وصدق اللسان لا يكون إلا في الإخبار، وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه، فلا يتكلم إلا بالصدق وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم الصمت إذا كان الكلام يجلب شرا، شعبة من شعب الإيمان، فعن أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " رواه البخارى ومسلم، وقال الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين"
واعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء" وأيضا كما قلنا صدق النية والإرادة، ويرجع ذلك إلى الإخلاص، وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى، فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية، وصاحبه يجوز أن يسمى كاذبا، ومن هنا يقول الله عز وجل فى كتابه الكريم كما جاء فى سورة محمد " فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم " أي فإذا جد الحال وحضر القتال، فلو أخلصوا النية لله لكان خيرا لهم، وفي الحديث الشريف عن أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أول ثلاثة تسعر بهم النار، عالم ، ومتصدق ، وشهيد" وأن الله يقول لكل منهم، كذبت وإنما قرأت، أو تصدقت، أو قاتلت ليقال كذا وكذا "الحديث بتمامه في صحيح مسلم، أي وليس صدقا في طلب الثواب من الله عز وجل، وكذلك صدق الوفاء بالوعد والعهد، فالصدق في الوفاء بالعهد من صفات الأنبياء والمرسلين، فالإنسان إذا عاهد عهداً مع الله أو مع الناس لابد أن يصدق في عهده ووعده، وكذلك الصدق في مقامات الدين، وهو أعلى الدرجات وأعزها، ومن أمثلته هو الصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل وغيرها من الأمور.
وكذلك الصدق في التجارة والمعاملات، فالصدق في المعاملات يورث الثقة بين المتعاملين كما أنه سبيل إلى بركة البيع والشراء، وهكذا فإن إن الصدق من الصفات الحميدة ولكن كيف اتحلى به ؟ وكيف اكتسبه ؟ وما هي الوسائل المعينة عليه ؟ لأن الصدق شديد على النفس ولهذا قال ابن القيم رخمه الله" حمل الصدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلا أصحاب العزائم، فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل، والرياء والكذب خفيف كالريشة، لا يجد له صاحبه ثقلا البتة، فهو حامل له في أي موضع اتفق، بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة، فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله" ومن وسائل اكتساب الصدق، هو مراقبة الله تعالى، فإن إيمان المرء بأن الله عز وجل معه، يبصره ويسمعه؛ يدفعه للخشية والتحفظ، وكذلك من وسائل إكتساب الصدق هو الحياء، لأن الحياء يحجب صاحبه عن كل ما هو مستقبح شرعا وعرفا وذوقا، والمرء يستحيي أن يعرف بين الناس أنه كذاب، فالمسلم أولى بالحياء من ربه أن يسمعه يقول كذبا، أو يطلع على عمل، أو حال هو فيه كاذب، وأيضا صحبة الصادقين، فقد أمر الله المؤمنين أن يكونوا مع أهل الصدق، أي اقتدوا بهم واسلكوا سبيلهم، وهم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم، وصدقوا في أقوالهم وأعمالهم، وأيضا إشاعة الصدق في الأسرة، فالإسلام يوصي أن تغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال، حتى يشبوا عليها، وقد ألفوها في أقوالهم وأحوالهم كلها.
وأيضا الدعاء، فلما كان حمل النفس على الصدق في جميع أمورها شاق عليها، ولا يمكن لعبد أن يأتي به على وجهه إلا بإعانة الله له وتوفيقه إليه، أمر الله نبيه أن يسأله الصدق في المخرج والمدخل، وأيضا معرفة وعيد الله للكذابين وعذابه للمفترين، فقد جاءت النصوص الكثيرة التي تحذر من الكذب، وتبين سوء عاقبته في الدنيا والآخرة، ولهذا فإن تذكير النفس بها، مما يعين المرء على الصدق في أحواله كلها، وإن هناك ثمرات وفوائد عديدة للصدق يعود أثرها على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة، ومنها محبة الناس للصادق ورواج بضاعته، فالتاجر الصادق الأمين يعتبر مكسبا مهما لا يمكن أن يعوَّض بالنسبة للمشترين والتجار الآخرين، فالتزام التاجر بالصدق يكفل له رواج بضاعته، وثقة الناس فيه وإقبالهم على الشراء منه، حتى لو لم تكن بضاعته ذات كفاءة عالية في الكثير من الأحيان، أو حتى لو كان سعره أعلى من سعر نظرائه من التجار، وفي ذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه " من كانت له عند الناس ثلاث وجبت له عليهم ثلاث، من إذا حدثهم صدقهم، وإذا ائتمنوه لم يخنهم، وإذا وعدهم وفّى لهم، وجب له عليهم أن تحبه قلوبهم، وتنطق بالثناء عليه ألسنتهم، وتظهر له معونتهم" ومنها حصول البركة في البيع والشراء " فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما فحصول البركة لهما إن حصل منهما الشرط وهو الصدق والتبيين.
ومحقها إن وجد ضدهما وهو الكذب، ومنها أيضا طمأنينة النفس وراحة الضمير، ومنها أيضا أن الصادق يفوز بسعادة العاجل والآجل في الدارين الدنيا والآخرة، فيقول أبو حاتم أن الصدق يرفع المرء في الدارين، كما أن الكذب يهوي به في الحالين، ومنها أيضا الفوز بالجنة ومرافقة النبيين والشهداء، فقال النووي في شرحه لهذا الحديث أنه قال العلماء هذا فيه حث على تحري الصدق، وهو قصده والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه؛ فإنه إذا تساهل فيه كثر منه، فعرف به، وكتبه الله لمبالغته صديقا إن اعتاده، أو كذابا إن اعتاده، ومعنى يكتب هنا يحكم له بذلك، ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم، أو صفة الكذابين وعقابهم، والمراد إظهار ذلك للمخلوقين، إما بأن يكتبه في ذلك ليشتهر بحظه من الصفتين في الملأ الأعلى، وإما بأن يلقي ذلك في قلوب الناس وألسنتهم، وكما يوضع له القبول والبغضاء، وإلا فقدر الله تعالى وكتابه السابق بكل ذلك، ومنها أيضا قبول الأعمال، فالصادق في تجاراته وتعاملاته يقبل منه عمله بخلاف الكذاب حيث قال بعضهم " من لم يؤدّ الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت، قيل وما الفرض الدائم؟ قال الصدق، وإن من ينظر إلى واقعنا المعاصر يجد أن الناس استهانوا بخطورة اللسان وخروج الكلمة ويظنون أنهم لن يحاسبوا على كل ما يخرج ويكثرون من النكت والضحك وتقسيم الكذب إلى أبيض وأسود وغير ذلك.
وإنه مما ينبغي التنبيه عليه أن النكت وهي قصص مكذوبة يقصد بها إضحاك الآخرين داخلة في الكذب المنهي عنه فكثير من الناس يؤلف نكت مكذوبة على رجال معينين أو فئة أو صاحب مهنة ليسخر منهم ويُضحك الآخرين، ويظنون أن هذا مباح، وحسبك أن الله توعدهم هو ورسوله صلى الله عليه وسلم بالويل، فعن معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنه قال، قال رسول اله صلى الله عليه وسلم" ويل للذي يحدث بالحديث ليُضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له" رواه أبو داود والترمذي، وليس معنى ذلك أن الإسلام يدعوك إلى العبوس والكآبة، كلا إن الإسلام أباح المزاح شريطة أن يقول حقا وصدقا وكان صلى الله عليه وسلم يمزح مع أصحابه ويداعبهم ولا يقول إلا حقا وشواهد ذلك كثيرة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال" أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله احملني ، قال النبي صلى الله عليه وسلم إنا حاملوك على ولد ناقة، قال وما أصنع بولد الناقة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهل تلد الإبل إلا النوق؟ رواه الترمذي، فكان قوله صلى الله عليه وسلم، مداعبة للرجل ومزاحا معه، وهو حق لا باطل فيه، وروى الترمذي عن الحسن قال أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز، قال فولت تبكي، فقال صلى الله عليه وسلم أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول " إنا أنشأناهن إنشاء، فجعلناهن أبكارا "

تعليقات
إرسال تعليق