بقلميّےـ
...هبة الله يوسف محمود سند
في بداية الأمر أحب توضيح شيء قبل أن أتطرق للموضوع
فأنا كنت أعمل في مجال التدريس بإحدى المدارس الخاصة لعدة سنين كثيرة
ولكي أصدقكم القول لم يكن من طموحي أن أعمل في هذا المجال ، فمنذ صغري لم أكن أشعر بالشغف لهذه المهنة لأمور كثيرة سأتطرق لها أثناء حديثي .
فأنا منذ صغري أعشق العمل بأي شيء يبث روح الإبداع بي وأكون شغوفه به كي أعمله وأبدع في عمله ، ولم تكن تستهويني الأعمال الروتينية المكتبية القاتلة لأي إحساس داخلي .
كنت كأي طفل يحلم بأنه كالطائر سيجوب الأرض طيرانا من شرقها لغربها يرفرف للأعلى ولا يستطيع أحد أيا كان تقييد جناحيه .
وكالعادة كأي طالب صدم بأسلوب التعليم الذي لم يكن يحفز على الإبداع وتنمية قدرات كل شخص في المجال الذي يبرع فيه ، ولم يكن يهتم إلا بالحفظ للنجاح على يد أساتذة ومعلمين أقصى طموحهم أن يقوموا بتعليم الأطفال المواد المذكورة في الكتب كأنه قرآن منزل علينا حفظه دون جدال ، أو زيادة ، أو نقصان وتناسوا عن أن هذه المواد كتبها أشخاص مثلنا أعطاهم الله من العلم ما جعلهم يدونوه ليس لحفظه كالحاسب الآلى بل لانتفاع الآخرين به ولكي يساعدهم على تنمية قدراتهم والتطوير للأفضل ، ليس لكي يكونوا نسخه أخرى منهم بنفس التفكير أو من المعلم الذي يقوم بتعليمهم.
ومن وجهة نظري هذا هو موطن التقصير ، فهم دور المعلم في هذه المنظومة فهم خاطئ وتوريث هذا الفهم من جيل لجيل ، فالتعليم في الوقت الحالي يقتل أي روح خيال أو إبداع لدى الطالب , فقد رأيت بعيني في حصص الرسم المعلمين بدل حرصهم على أن يبرزوا الجانب الإبداعي لدى الطفل ، يقوموا بكبته وتعليمهم أسس معينه للرسم وتحذيرهم أن لا يحيدوا عنها وإذا قرر أن يتخيل ويقوم برسم ما تخيله يعامل معامله الشواذ الذين خرجوا عن المألوف وسيعاقبوا على ما إرتكبوا ، كتحديد كم مبنى أو كم شجره أو كم ورده أو حتى كم شخص في الرسمه ، مع أن هدف التعبير الفني هو ترك التعبير لكل طفل أن يرسم ما يجول بخاطره حتى لو كانت من وحي خياله ، أيوجد قتل للإبداع أكثر من ذلك .
فالتعليم حالياً والمعلمين ( إلا من رحم ربي ) يقوموا بأبشع جريمة في حق هذه المهنة ألا وهي قتل الإحساس وحرية التعبير وحرية الإبداع ليخلق منا إنسان آلي لا نختلف عن الحاسب الآلي نقوم بالحفظ والتدوين ونسوا انه حتى الانسان الآلي أو الحاسب الآلي هم أيضا كانوا طفرة وإبداع لشخص خرج عن المألوف ،
عندما أتيحت لي الفرصة لأعمل في هذا المجال ، كنت في محيطي كالإنسان الشاذ في التعامل (( ليس الشاذ بالمعنى السائد في هذا الوقت )) فالشاذ من وجهة نظري هو كل خروج عن المألوف إما بالسلب أو الإيجاب .
فوجودي وسط محيط يرى المعلم الشخص الجاد الكئيب الشديد في التعامل لكي يهابه التلاميذ يكره نفسه ويكره ما يعمل ومغصوب عليه لكي يجد قوت يومه وضع طبيعي ،حينها اعتبروني من شواذ هذا المجتمع فنادرا ما رأينا معلم يضحك ويغني ويتعامل مع طلابه بروحهم وليس روحه ، وهذه فعلا حقيقة يشهد ربي عليها وكل من حالفه الحظ أن يتعلم طفله تحت يدي، ويقرأ ما اكتب الآن .
لكن مع الأسف لم أكن أسلم من المنغصات ،فقد وجدت من يقوم بمحاربتي كأني أتيت لكي أغير حياه إعتادوا عليها وأني مرض يجب محاربته ، ولم أجد من يساندني في هذا بل كانوا من أوائل من يقوموا بمحاربتي مديرتي بالعمل بمساندة الإدارة ( إدارة المدرسة )، فقد كنت أعمل بمبدأ حب المعلم تحب مادته ، وكنت مؤمنه بهذا المبدأ كثيراً عن قناعه وتجربه شخصيه .
وكانت رسالتي هي إثبات ذلك وإثبات أن سعي الطفل للتميز بسبب معلم هو دليل حي على نجاح المعلم وتميزه في توصيل رسالته ، أن يحب الطالب الذهاب للمدرسة بسبب معلم أيضاً دليل على توطيد العلاقة بينهم ونجاحه ، فكانت هذه المهنة مجال ممتع بالنسبة لي رغم مشقته ، فقد كنت أبحث عن ما يجعلني أنا وطلابي سعداء وافعله ،
وقد كنت أجد من يقوم بالتنمر علي وعلى أسلوبي لجعلي نسخه منهم تكره نفسها وتكره ما تعمل وتخرج هذا الكره على مجموعة أطفال ،فكان أسلوبي دائماً وأبدا هو توصيل المعلومة بأبسط الطرق الممكنة حتى لو كان عن طريق قصه أو حكاية أو أغنية أو حتى رسم أو صنع عمل يدوي ، فدائما وأبدا ما كنت أتعامل مع كل شخص بروحه وليس روحي ، فالسعادة التي كنت أراها بهم وبآبائهم بما أقوم وأفعل ، كانت تعطيني دفعه لأواجه من يقوموا بمحاربتي بابتسامه لإيماني بما أقوم فقد كنت أقوم بتصوير كل ما أقوم به مع الأطفال وإرساله لأهاليهم ، حتى الشرح الخاص بالمواد لرفضي فكرة الدروس الخصوصية ، وهذا أيضاً كان ما يثير زملائي ويجعلني محط الأنظار لما افعل ، لكن هذا ما كان يعطيني دافع للإستمرار ، لأن دائما المختلف هو فقط محط الأنظار والانتقاد .
بما فيهم مديرتي بالعمل التي كانت من أوائل المعترضين على أسلوبي في التعليم ، وعلى تصويري لما يحدث في الفصل وتصوير الأنشطة والمواد على الطبيعة ، فقد كانت تريدنا أن نكون نسخه أخرى منها من زمن منقضي ، نتعامل بنفس الطريقة ونفس الأسلوب والشرح حتى في أبسط الأشياء كشرح الحروف ، وكأن أسلوب الشرح أيضاً مكتوب في كتب كالمناهج الدراسية وعلينا السير على خطاه، وهذا كان عكس طبيعتي فكل ما يميز معلم عن معلم لشرح نفس الدرس هو أسلوبه في تبسيط وتوصيل المعلومة وليس التقليد الأعمى ، ومع إعتراضي الدائم معها ، إلا أنني كنت أشفق عليها لوجودها في هذا المحيط من سنين وسط إدارة ( إدارة المدرسة ) كتمت داخلها حرية الرأي والدفاع عن ما تؤمن ، فكانت تسير مع التيار السائد بين نعم وحاضر .
وكانت تخاف من المعارضة حتى لو أدى بها الأمر لظلم من وكلت بإدارتهم ، كانت تظلم وتتغاضى عن قول الحق ،
فكيف لها أن تقول الحق وسط من لا يعترف به ، وسط إدارة ( إدارة المدرسة ) تتعامل مع من يعمل لديهم كأنهم عبيد في زمن العبودية يتحكموا بقوت يومهم ، يستنفذوا كل قواهم ويبخلوا عليهم حتى بمجرد التقدير المعنوي ، فرغم ما كنت أقوم به من أعمال وأنشطه وحفلات وتعليم وقيامي بأكثر من وظيفة حبا وبدون مقابل لم أجد التقدير الذي استحق ولا حتى العرفان بكل جهودي وإنما قوبل بالنكران والجحود ، أليس هذا وحده كفيل بكتم أي روح للعمل لدى أي معلم عندما لا يقدر جهوده ويتساوى مع من لا يعمل ، من أين سيجد طاقه تحثه على العطاء لمن لا يستحق ولم يقدره من البداية .
ومع ذلك فليشهد ربي أني حتى آخر يوم لي في هذا المجال وتغيير هذا الكرير لم أقم بالتقصير يوما في عملي بشهادة كل من قمت بتعليمه ونظرة الحب في عيونهم وعيون أهاليهم واحترامهم لي وتقديرهم لما كنت أقوم به فكنت أتاجر مع الله وأعطاني ربي ثوابي ونصيبي من تجارتي معه وبفضله ورحمته عوضني أضعاف ما كنت أتمنى بدون سعي أو طلب .
الفكرة مما اكتب ليس سرد قصه ، إنما سرد مشكله موجودة في جميع المدارس
*عدم تقدير المعلم التقدير الذي يجعله يعطي بحب وليس غصب وكره .
* الاعتماد على الحفظ والخوف كطريقه للنجاح ، مع إننا لقبنا بالإنسان لكثرة النسيان من أين لنا ان نعتمد على ذاكرتنا لتكون سبب نجاحنا .
*تقييم المعلم على أسس خاطئة من وجهة نظر مغلوطة دون الحكم العادل وتقييمه على أسس صحيحة وليس الاستماع لوجهات نظر شخصيه يمكن أن يكون لها إعتبارات نفسية وشخصية أخرى تتسبب في ظلم أحد دون وجه حق .
* كتم حرية الإبداع والرأي والابتكار وحتى الحرية في طريقة توصيل المعلومة والسير على نمط قديم لرفض التغيير والإعتراف به.
النظر لكل طفل وقدراته وتنميتها هو ما يساعد على التطوير وليس الحفظ الأعمى
وهناك كثير من العوامل من وجهة نظري ألخصها ( بأن طريقة العطاء أهم عندي من العطاء نفسه ، فلا فائدة من إعطاء الطعام لشخص محتاج في طبق متسخ بحجة المساعدة ، فهذا سوء تقدير للشخص ونقص فيك ، فكر في أسلوبك وطريقة أسلوبك قبل التعامل أو الحكم على الآخرين )

تعليقات
إرسال تعليق