نفحات إيمانية ومع الأسباط عليهم السلام " الجزء الثانى " / وطنى نيوز


 


إعداد / محمـــد الدكـــرورى
 
ونكمل الجزء الثانى مع الأسباط عليهم السلام، فالأسباط هم أولاد يعقوب عليه السلام، وليسوا جميعا أنبياء على القول الراجح، فقال الألوسي في كتابه روح المعاني، وقد اختلف الناس في الأسباط أولاد يعقوب هل كانوا كلهم أنبياء أم لا، والذي صح عندي الثاني وهو المروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه وإليه ذهب الإمام السيوطي وألف فيه لأن ما وقع منهم مع نبى الله يوسف عليه الصلاة والسلام ينافي النبوة قطعا وكونه قبل البلوغ غير مسلم لأن فيه أفعالا لا يقدر عليها إلا البالغون، وعلى تقدير التسليم لا يجدي نفعا على ما هو القول الصحيح في شأن الأنبياء، وكم كبيرة تضمن ذلك الفعل، وليس في القرآن ما يدل على نبوتهم، ولقد كان هناك خلاف بين رجلين قال أحدهما إن إخوة يوسف عليه السلام أنبياء، وقال الآخر ليسوا بأنبياء فمن أصاب ؟ وهو أن في إخوة يوسف عليه السلام قولان للعلماء، والذي عليه الأكثرون سلفا وخلفا أنهم ليسوا بأنبياء، أما السلف فلم ينقل عن أحد من الصحابة أنهم قالوا بنبوتهم كذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا أحفظه عن أحد من التابعين، وأما أتباع التابعين، فنقل عن ابن زيد أنه قال بنبوتهم، وتابعه على هذا فئة قليلة، وأنكر ذلك أكثر الأتباع فمن بعدهم، وأما الخلف، فالمفسرون فرق منهم من قال بقول ابن زيد كالبغوي، ومنهم من بالغ في رده كالقرطبي، والإمام فخر الدين، وابن كثير، ومنهم من حكى القولين بلا ترجيح كابن الجوزي، ومنهم من لم يتعرض للمسألة، ولكن ذكر ما يدل على عدم كونهم أنبياء كتفسيره الأسباط بمن نبئ من بني إسرائيل.
والمنزل إليهم بالمنزل إلى أنبيائهم كأبي الليث السمرقندي، والواحدي، ومنهم من لم يذكر شيئا من ذلك، ولكن فسر الأسباط بأولاد يعقوب، فحسبه ناس قولا بنبوتهم، وإنما أريد بهم ذريته لا بنوه لصلبه، وقال القاضي عياض في كتابه الشفا، إن إخوة يوسف لم تثبت نبوتهم، وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء قال المفسرون يريد من نبئ من أبناء الأسباط، وقال ابن كثير اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر سياق القرآن الكريم يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل ولم يذكروا سوى قوله تعالى " وما أنزل إلى إبراهيم "إلى قوله "والأسباط " وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب، فذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا، لأنهم كثيرون ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، وقال الواحدي أن الأسباط من ولد إسحاق بمنزلة القبائل من ولد إسماعيل عليهما السلام، وكان في الأسباط أنبياء، وقال في قوله تعالى" ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب" يعني المختصين بالنبوة منهم، وقال السمرقندي في قوله تعالى "وما أنزل إلينا" إلى قوله " والأسباط" وأن السبط بلغتهم بمنزلة القبيلة للعرب، وما أنزل على أنبيائهم وهم كانوا يعملون به، فأضاف إليهم كما أنه أنزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فأضاف إلى أمته، فقال وما أنزل إلينا فكذلك الأسباط أنزل على أنبيائهم.
فأضاف إليهم لأنهم كانوا يعملون به، وقال في قوله تعالى "إنا أوحينا إليك" إلى قوله "والأسباط" هم أولاد نبى الله يعقوب عليه السلام وقد أوحي إلى أنبيائهم، وأما الشيخ تقي الدين بن تيمية فقد ألف في هذه المسألة مؤلفا خاصا قال فيه ما ملخصه أن الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة نبى الله يوسف عليه السلام ليسوا بأنبياء، وليس في القرآن الكريم ولا عن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بل ولا عن أصحابه خبر بأن الله تعالى نبأهم، وإنما احتج من قال إنهم نبئوا بقوله في آيتي البقرة والنساء "والأسباط" وفسر الأسباط بأنهم أولاد نبى الله يعقوب، والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته كما يقال فيهم أيضا بنو إسرائيل، وقد كان في ذريته الأنبياء فالأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل، وقال أبو سعيد الضرير أن أصل السبط شجرة ملتفة كثيرة الأغصان فسموا الأسباط لكثرتهم، فكما أن الأغصان من شجرة واحدة كذلك الأسباط كانوا من يعقوب، ومثل السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأسباط حفدة نبى الله يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، وقال الله تعالى "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما" فهذا صريح في أن الأسباط هم الأمم من بني إسرائيل كل سبطة أمة لا أنهم بنوه الاثنا عشر، بل لا معنى لتسميتهم قبل أن تنتشر عنهم الأولاد أسباطا، فالحال أن السبط هم الجماعة من الناس، ومن قال أن الأسباط أولاد يعقوب لم يرد أنهم أولاده لصلبه، بل أراد ذريته كما يقال بنو إسرائيل وبنو آدم.
فتخصيص الآية ببنيه لصلبه غلط لا يدل عليه اللفظ، ولا المعنى، ومن ادعاه فقد أخطأ خطأ بينا، والصواب أيضا هو أن كونهم أسباطا إنما سموا به من عهد نبى الله موسى عليه السلام للآية المتقدمة، ومن حينئذ كانت فيهم النبوة فإنه لا يعرف أنه كان فيهم نبي قبل نبى الله موسى إلا يوسف عليهما السلام، ومما يؤيد هذا أن الله تعالى لما ذكر الأنبياء من ذرية إبراهيم قال ومن ذريته داود وسليمان كما ذكرت الآيات، فذكر نبى الله يوسف ومن معه، ولم يذكر الأسباط فلو كان إخوة يوسف نبئوا كما نبئ يوسف لذكروا معه، وأيضا فإن الله يذكر عن الأنبياء من المحامد والثناء ما يناسب النبوة ، وإن كان قبل النبوة كما قال عن نبى الله موسى " ولما بلغ أشده " وقال في نبى الله يوسف كذلك، وفي الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم " أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبي من نبي من نبي " فلو كانت إخوته أنبياء كانوا قد شاركوه في هذا الكرم، وهو تعالى لما قص قصة نبيه يوسف عليه السلام وما فعلوا معه ذكر اعترافهم بالخطيئة وطلبهم الاستغفار من أبيهم، ولم يذكر من فضلهم ما يناسب النبوة، ولا شيئا من خصائص الأنبياء، بل ولا ذكر عنهم توبة باهرة كما ذكر عن ذنبه دون ذنبهم، بل إنما حكى عنهم الاعتراف وطلب الاستغفار، ولا ذكر سبحانه عن أحد من الأنبياء لا قبل النبوة ولا بعدها أنه فعل مثل هذه الأمور العظيمة من عقوق الوالد، وقطيعة الرحم وإرقاق المسلم وبيعه إلى بلاد الكفر والكذب البين، وغير ذلك مما حكاه عنهم، ولم يحكى عنهم شيئا يناسب الاصطفاء
والاختصاص الموجب لنبوتهم بل الذي حكاه يخالف ذلك بخلاف ما حكاه عن يوسف، ثم إن القرآن الكريم يدل على أنه لم يأت أهل مصر نبي قبل نبى الله موسى سوى يوسف لآية غافر، ولو كان من إخوة نبى الله يوسف نبي لكان قد دعا أهل مصر وظهرت أخبار نبوته، فلما لم يكن ذلك علم أنه لم يكن منهم نبي، فهذه وجوه متعددة يقوي بعضها بعضا، وقد ذكر أهل السير أن إخوة نبى الله يوسف كلهم ماتوا بمصر وهو أيضا، وأوصى بنقله إلى الشام فنقله نبى الله موسى عليه السلام، وإن الحاصل أن الغلط في دعوى نبوتهم حصل من ظن أنهم هم الأسباط، وليس كذلك، إنما الأسباط ذريتهم الذين قطعوا أسباطا من عهد موسى، وكل سبط أمة عظيمة، ولو كان المراد بالأسباط أبناء يعقوب لقال ويعقوب وبنيه فإنه أوجز وأبين، واختير لفظ الأسباط على لفظ بني إسرائيل للإشارة إلى أن النبوة إنما حصلت فيهم من حين تقطيعهم أسباطا من عهد نبى الله موسى، هذا كله كلام ابن تيمية ، وقد سكن الأسباط العشرة أحفاد نبى الله يعقوب عليه السلام في المنطقة الجنوبية، وسموا بالأسباط المفقودة أو الأسباط الضائعة، في حين سكن الأسباط أبناء نبى الله يوسف في المنطقة الشمالية، كانت تطلق كلمة السبط على اليد اليمنى، وكلمة الحفيد على اليد اليمنى عند العلماء اليد اليمنى هي اليد التي يعتمد عليها الإنسان في حياته اليومية أكثر من اليسرى، كما أن الجد يعتمد على أبنائه وأبناء أبنائه أكثر من أبناء بناته لذا تم الربط لغة بين اليد اليمنى والحفيد واليد اليسرى والسبط ويروي لنا التاريخ بوجود باب في القدس.
يطلق عليه اسم باب الأسباط، حيث يقع باب الأسباط في الحائط الشرقي للقدس إذ يعود تاريخه إلى عهد السلطان سليمان القانوني، ومع مرور الزمن أطلقت على باب الأسباط أسماء أخرى مثل باب القديس اسطيفان، وباب الأسود، وذلك لوجود تمثالين لأسدين موضوعين على جانبي المدخل، وقد تكرر ذكر كلمة الأسباط فى القرآن الكريم ملحقة بذكر نبى الله يعقوب، واختلف المفسرون فى معنى الكلمة، ومضمونها اللغوى، ومصداقها الخارجى، وموقع أشخاصها من حيث القداسة الرسالية، وربما يكون سبب ذكر هؤلاء بعد ذكر يعقوب وآبائه، أن لهم صلة انتساب وقرابة له، كما أن ذكرهم مع الأنبياء قد يدفع إلى اعتبارهم أنبياء، ولكن هناك من نفى أن يكونوا أولاد يعقوب، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضى الله عنهما، أن الأسباط بنو يعقوب اثنا عشر رجلا، وكل واحد منهم ولد أمة من الناس، وجاء السبط فى بنى إسرائيل كالقبيلة فى العرب، والسبط الحافد الحفيد، وكان الحسن والحسين سبطى رسول الله، والأسباط حفدة يعقوب وذرارى أبنائه الاثنى عشر، ويدل ذلك على أن المقصود بكلمة الأسباط هو الامتداد النسبى لأولاد يعقوب، الذين يمثلون مجتمعا متعددا بتعدد الآباء، ولكن ذلك لا ينطبق على نبى الله يعقوب الذى هو الأب لهم وليس فرعا والأسباط جمع سبط، كأحمال وحمل، وهم أولاد إسرائيل وهو اسم يعقوب وقيل هم فى أولاد إسحاق كالقبائل فى أولاد إسماعيل، مأخوذ من السبط، وهو شجرة كثيرة الأغصان، فكأنهم سموا بذلك لكثرتهم، وقيل من السبوطة، وهى الاسترسال، وقيل إنه مقلوب البسط.
وقيل إن الحسنين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم لانتشار ذريتيهما، وقيل لكل ابن بنت سبط، وهذا هو المشهور فى الاستعمال العرفى وكذا قيل له حفيد أيضا، وقد جاء فى المفردات للراغب الأصفهانى، والسبط ولد الولد، كأنه امتداد لفروع، ويعقوب والأسباط، أى قبائل كل قبيلة من نسل رجل أسباطا أمما واختلف الناس فى الأسباط أولاد نبى الله يعقوب، هل كانوا كلهم أنبياء أم لا؟ والذى صح عندى كما يتحدث الأصفهانى وهو الثانى، وهو المروى عن جعفر الصادق رضى الله عنه، وإليه ذهب السيوطى وألف فيه، لأن ما وقع منهم مع نبى الله يوسف عليه السلام ينافى النبوة قطعا، وكونه قبل البلوغ غير مسلم، لأن فيه أفعالا لا يقدر عليها إلا البالغون، وعلى تقدير التسليم، لا يجدى نفعا على ما هو القول الصحيح فى شأن الأنبياء، وكم كبيرة تضمن ذلك الفعل، وليس فى القرآن الكريم ما يدل على نبوتهم، وإن الأسباط هم يوسف وإخوته بنو يعقوب، وقد ولد كل واحد منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط، وبه قال السدى والربيع ومحمد بن إسحاق، وذكروا أسماء الاثنى عشر يوسف وبنيامين وزبالون وروبيل ويهوذا وشمعون ولاوى ودان وقهاب ويشجر ونفتالى وجاد، وأشرفهم ولد يعقوب ولا خلاف بين المفسرين، إنهم كانوا أنبياء والذى يقتضيه مذهبنا، أنهم لم يكونوا أنبياء بأجمعهم، لأن ما وقع منهم من المعصية فيما فعلوه بنبى الله يوسف لا خفاء به، والنبى معصوم من القبائح، صغيرها وكبيرها، وليس فى ظاهر القرآن الكريم ما يدل على أنهم كانوا أنبياء.

تعليقات