الإنسان عدو ما يجهل ، و عندما شاهد أهل مدن و قرى نجد فى السعودية الدراجة الهوائية ( السيكل ) لأول مرة منذ حوالى ستين عاما ظنوا أنها شيطان مخلوق من عظام ! ، أو أنها تدفع بواسطة شياطين الجن الذين اتفقوا مع سائقها حتى يثبتوه على ظهرها أثناء سيره مقابل معاهدات عقائدية يعقدها صاحب السيكل مع الشياطين حتى يقوموا بخدمته ، و أطلق أهل مدينة بريدة إسم ( حصان إبليس ) على السيكل ، و كانوا يتعوذون بالله منه سبع مرات ، و يأمرون نسائهم بتغطية وجوههن عنه ، بل و اعتقد بعضهم أن السيكل ينقض الوضوء ، و كانوا لا يقبلون شهادة صاحب السيكل الذى يعتبرونه عنصر فساد فى المجتمع ينشر الرذيلة لأن السيكل من البدع التى تشغل الناس عن الصلاة فى المسجد و أداء العبادات و العمل الصالح ! .
مع مرور الوقت إعتبر أهل نجد السيكل شر لا بد منه و تعاملوا معه بحذر و إستحياء ، و قصروا استعماله على البالغين بشروط صارمة تكتب فى رخص السير التى كانت تصدر من هيئة الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ! و قد أصدرت الهيئة أول رخصة سير للسيكل منذ ستين عام تقريبا ( عام ١٣٧٩ هجرية ) ، و كانت رخصة السير لا تعطى لصاحب السيكل إلا بعد أن يحصل على شهادة تزكية و استقامة من إمام المسجد على أن يقتصر إستخدامه فى ساعات النهار فقط ، و كانت عقوبة من يستخدم السيكل دون رخصة الجلد و مصادرة السيكل ! .
إنتشر إستخدام السيكل بعد ذلك فى جزيرة العرب عندما بدأ الناس فى التخلص من أفكارهم المتشددة التى كان يروج لها رجال الدين و الناتجة عن قلة الوعى و بساطة التعليم ، و صار الناس يستخدمونه فى إحضار الإحتياجات المنزلية و نقل البضائع الخفيفة و فى بعض المدن كان يستخدم " أجرة " و صارت له مواقف كان يطلق عليها " استيشن بيسكلات " ، و استخدم موظفو البريد البيسكل بشكل رسمى لتوصيل و إستلام الرسائل البريدية .
الذين رفضوا و حرموا السيكل فى بريدة فى الستينيات هم أنفسهم الذين حرموا الراديو و البرقيات و التليفزيون و الصابون نتيجة لجهلهم و ضيق افقهم و أستخدموا سلاح الدين لترهيب من يخالفهم فى الرأى ، و من نسلهم جاء فى أيامنا من يرفض كروية الأرض و يعلن أن الوصول للقمر أكذوبة روجت لها هوليود ! . هؤلاء يشبهون إلى حد كبير بعض مشايخ الأزهر الذين حرموا شرب القهوة فى القرن الثامن عشر لأنها " مادة مسكرة مخدرة للعقل " و شجعوا الأهالى على مهاجمة المقاهى و تحطيمها و الإعتداء على روادها ، و بعض علماء الأزهر حرموا طباعة المصحف عندما أحضر محمد على باشا أول مطبعة لمصر ، و ما يزال بعض المشايخ فى مصر يحرمون تنظيم النسل بالرغم من أن معظم الذين ينجبون بلا حساب هم أهل العشوائيات و سكان المقابر و القرى الفقيرة .
لم يتخلف رجال الدين المسيحى فى اوروبا عن ركب التحريم و أدلوا بدلوهم فى القرون الوسطى و قاموا بتحريم الكثير من الأشياء و اتهموا من يروج لها بالهرطقة ، و عندما إكتشف كوبرنكس فى القرن السادس عشر أن الشمس هى مصدر الكون و ليست الأرض ، و أن الأرض تدور حول نفسها مرة كل ٢٤ ساعة و تدور حول الشمس مرة كل عام ، قامت الكنيسة بمحاربته و اتهموه بالكفر و أحرقوا كتبه و ابحاثه و منعوا تدريسها ، أما جاليليو الذى أثبت أن كوبرنيكس كان على حق ، و أن الشمس هى مركز الكون فلقد تم التحقيق معه و حكمت عليه الكنيسه بالإقامة الجبرية فى بيته حتى الموت . كما أن محاكم التفتيش أصدرت العديد من الأحكام التى تأمر بحرق و تحريم قراءة كتب العلماء الذين خالفوا آراء الكنيسه و من بينهم نيوتن الذى اكتشف قانون الجاذبية ، و ظل الصراع قائما بين الكنيسة الكاثوليكية و العلماء حتى تقلص دور الكنيسة فى أوروبا بعد أن تم فصل الدين عن الدولة فى أوائل القرن العشرين .
تحدث الكثيرون عبر التاريخ بإسم الدين و كأنهم يمتلكوا تفويضا من السماء ، و قد أساؤا إلي الدين نتيجة لتعصبهم لأفكارهم الجامدة و جهلهم و ضيق أفقهم ، و الدين منهم براء ، فالدين جاء لهداية البشر و إسعادهم و نفعهم ، و حيثما تكون مصلحة البشر فثم شرع الله بغير ضرر و لا ضرار ، دمتم جميعا بخير .

تعليقات
إرسال تعليق