نفحات إيمانية ومع القرآن الكريم " الجزء التاسع "/ وطني نيوز




إعداد / محمـــد الدكـــرورى


ونكمل الجزء التاسع مع القرآن الكريم، وإن من آداب قراءة القرآن الكريم هو الإخلاص، واستحضار النفس أثناء قراءته، فيتذكر العبد أنه يناجي الله تعالى، وكما أنه يستحب تنظيف الفم بالسواك ونحوه، وهذا الفعل هو من السّنة النبوية، وأيضا الطهارة، فيستحب للقارئ أن يقرأ القرآن وهو طاهر، والقراءة في مكان نظيف، وأفضل الأماكن وأجلها هو المسجد، وكذلك استقبال القبلة، وإظهار الوقار، والسكينة، والخضوع، والأفضل للقارئ أن يكون مطرق الرأس جالسا بتأدب، وخضوع، وهو أكمل الأوضاع، فإذا قرأ القرآن مضطجعا، أو قائما، أو نحوه جاز له ذلك، وأيضا الاسعتاذة عند الشروع بالتلاوة، وتشرع أيضا الاستعاذة عند المرور بآيات العذاب والوعيد، وأيضا هو الإتيان بالبسملة في أول كل سورة، عدا سورة التوبة وهى براءة من الله، وكذلك البكاء أثناء تلاوته، وإنما يكون ذلك بحضور القلب، والتأمل بالآيات وتدبرها، وأيضا ترتيل القرآن الكريم، وذلك لكونه أقرب لاحترامه، وتوقيره، وقد امتثل الصحابة الكرام بهذا الأدب مع القرآن فهذا هو أبو بكر رضي الله عنه لا تفهم قراءته من شدة البكاء، فعن السيدة عائشة رضى الله عنها قالت " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى مرضه " مروا أبا بكر يصلى بالناس " 


فقالت السيدة عائشة " قلت إن أبا بكر إذا قام فى مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس " فقالت عائشة فقلت لحفصه قولى له إن أبا بكر إذا قام فى مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مه، إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل للناس " فقالت حفصة لعائشة، ما كنت لأصيب منك خيرا " وهذا حديث متفق عليه، وليس معنى ذلك أن عمر لا يبكي تأثرا بالقرآن، بل تضافرت الآثار أنه رضي الله عنه كان شديد التأثر بالقرآن، قال الحسن كان عمر رضي الله عنه يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط على الأرض، ويبقى في البيت يعاد للمرض، وري أن عمر رضي الله عنه خرج يعس المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ " والطور" حتى بلغ قول الله تعالى " إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع " قال قسم ورب الكعبة، حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، رضي الله عنه، وليس الأمر قاصرا على الرجال، بل ما أجمل تأثر الصحابيات بالقرآن الكريم، فعن عباد بن حمزة عن أبيه قال.


بعثتني أسماء رضي الله عنها إلى السوق بعثتني وافتتحت سورة الطور، فانتهت إلى قوله تعالى " ووقانا عذاب السموم" فذهبت إلى السوق وهي تكرر " ووقانا عذاب السموم " وعدت إليها وهي تقول " ووقانا عذاب السموم" فهناك تفاعل مع الآيات تدفعهم دفعا إلى البكاء والتأثر بالقرآن، وإن الناس يتفاوتون في التجاوب مع القرآن، ونرى هذا واضحا في شهر رمضان، لا سيما في صلاة التهجد، فبعضهم يتأثر ويبكي وبعضهم يتأثر ولا يبكي، وبعضهم لا يتأثر ولا يبكى، وإن من واجبنا نحو القرآن الكريم هو أن نواجه تحريف الغالين وتأويل المبطلين الذين يحاولون توظيف القرآن الكريم سياسيا أو أيديولوجيا للحصول على مأرب أو مغنم، فيجب أن يُتلقى القرآن الكريم لفظا ومعنى من أهل الذكر المتخصصين من علماء الأمة الموثوق بعلمهم الذين يعلمون الناس صحيح الدين ومنهج الإسلام القويم، والذين لا يوظفونه لمصالحهم أو يفسرونه وفق أهوائهم، فما أشد حاجة العالم اليوم إلى هداية القرآن الكريم، فإن أزمة العالم الآن أزمة أخلاقية، وما من كتاب دعا إلى مكارم الأخلاق مع كل الناس مثل القرآن، وإذا كان خطأ المسلمين في هذا الزمان بعدهم عن أخلاق القرآن فإن من أوجب الواجبات عليهم العودة إلى أخلاقه.


متمثلين النموذج العملي الأكمل في امتثال الأخلاق القرآنية وهو من تنزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم وهو الذي وصفه ربه بأنه على خلق عظيم لامتثاله الأخلاق القرآنية المبثوثة في طول القرآن وعرضه، فقد كان أجمع الخلق خُلقا، لأنه كان أجمعهم للقرآن تطبيقا وامتثالا، فيقول الله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم فى سورة القلم " وإنك لعلى خلق عظيم " وإننا إذ نذود عن القرآن الكريم الآن لنرجو أن يكون القرآن خير من يدافع عنا يوم لا نجد نصيرا ولا مدافعا، فإذا داوم المسلمون على تلاوته، وتدبر معانيه، وعملوا به، وتعلموه وعلموه أبناءهم، كان له أعظم النفع، فبه صلاح المجتمع، حيث تنتشر الرحمة والعدل، وتنصلح القلوب، وتكثر الخيرات، وتندفع الشرور والمهلكات، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله " وفي رواية " ياويلى" وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى يرفع بهذا الكلام أقواما ويضع به آخرين" رواه مسلم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا فما ظنكم بالذي عمل بهذا" رواه أبو داود، يقول صلى الله عليه وسلم.


"من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي فقد إستصغر ما عظمه الله" وقال النبي صلى الله عليه و سلم " إن البيت الذي يتلى فيه القرآن يتسع بأهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة، وتزجر منه الشياطين، وإن البيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله عز وجل يضيق على أهله، ويقل خيره، وتخرج منه الملائكة، ولا تزجر عنه الشياطين" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم " رواه البخاري، وعن أبي ذر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي" وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه" وعن أبي أمامه رضي الله عنه قَال : قَال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قَرأَ آية الكرسى في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إِلا أَن يموت " وإن من فضائل تلاوة القرآن هو تحصيل الحسنات، وسبب لنيل الأجر العظيم فمن قرأ حرفا من كتاب الله كانت له به عشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء، وإن به تنزل السكينة على قارئ القرآن.


فتطمئن نفسه، وتخشع، وكذلك علو شأن قارئ القرآن، ونيله المكانة العالية الرفيعة التي لا تعطى لغيره، وكذلك فإن من ثمرة المداومة على قراءة القران والإكثار من تلاوة القرآن الكريم، والمداومة على ذلك، وتكراره، أدعى لفهم معانيه، وترسيخ مبادئه في النفس، وهي وسيلة لمعرفة الله تعالى، والتقرب إليه، حيث يوضح القرآن صفات الله، ويُبين الحلال والحرام، والأحكام الي يجب على المسلم أن يلتزم بها، كما أن فيه من القصص والأخبار ما يترك في النفس العظة والاعتبار من أخبار السابقين، وإضافة إلى الأهداف السابقة، فإن الهدف الأكبر من تلاوته هو نيل رضا الله سبحانه وتعالى، وتحصيل الأجر والثواب، وهكذا يجب أن يتدبر المسلم القرآن دائما، وقد قيل إذا سمعت قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا" فأنصت، فإنه إما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه، وإن التدبر فى القرآن الكريم هو أن تعرض نفسك على القرآن آية آية أين أنت منها؟ هل أنت مطبق لها؟ هل وصف الله للمؤمنين ينطبق عليك؟ فإن وجدت خيرا فاحمد الله وإلا فراجع نفسك قبل فوات الأوان، فقال الحسن إنما أنزل القرآن ليتدبره المؤمنون وليعملوا به، فاتخذوا تلاوته عملا، ولذلك كان الصالحون يقومون الليل يتدبرون القرآن، فكان منهم من يقوم بآية واحدة.

 


ويرددها طيلة الليل يتفكر في معانيها ويتدبرها، ولم يكن همهم مجرد ختم القرآن، بل القراءة بتدبر وتفهم، فعن محمد بن كعب القرظى قال " لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بإذا زلزلت، والقارعة، لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما، وأتفكر أحب إليّ من أن أَهذ القرآن أي أقرأه بسرعة وكان ابن عباسٍ رضي الله عنهما يقول ركعتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب" ألا ما أحوج البشرية إلى هذه المعاني الإسلامية السامية، وما أشد افتقار الناس إلى التخلق بخلق الإنسانية التي تضمد جراح المنكوبين، والتي تواسي المستضعفين المغلوبين، ولا سيما في هذا العصر، الذي فقدت فيه الإنسانية من أكثر الخلق، فلا يسمع في هذا العصر لصرخات الأطفال، ولا لأنين الثكلى، ولا لحنين الشيوخ، ولا لكلمة الضعفاء، لا يسمع فيه إلا للغة القوة، ومنطق القدرة، فإذا استحكم الظلام في النفوس، وطغى طوفان المادة الجافة آذنت الإنسانية بالرحيل، كما قال قائلهم، إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، وإن لم تجهل يُجهل عليك، وإن لم تتغد بِزيد تعشّى بك، فعليكم بالإنسانية والرفق واللين والرحمة بجميع فئات المجتمع، الآباء والصبيان والأرامل والعجزة والأجراء فإننا إن فعلنا ذلك تحقق فينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " مثل المؤمنين فى توداهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضورا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " رواه مسلم.

تعليقات