الكلمة لها خطورتها على النفس والمجتمع والناس، فهي إما طيبة وإما خبيثة، إما حق وإما باطل، فالكلمة الطيبة النافعة: عنوان المتكلم ودليله،ولباسه الساتر وجماله الظاهر، هي عطره الفواح ، وهي مفتاحه إلى القلوب والأرواح، وسفيره الذي يصعد إلى السماء ليجد حسن الجزاء من رب العطاء…
والكلمة الخبيثة مرض وذلل، تزرع العداوات والبغضاء بين الناس ، وقد تشعل بين الناس حربا ضروسا تقطع فيها الرؤوس, وقد تضرمها عداوة تعمر كثيرا فتخرب الديار وتقضي على الأعمار وينشر الضغينة والدمار …
ولذلك ضرب الله المثل لهاتين الكلمتين فقال في القرآن : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) .
ثم وجه سبحانه وتعالى إلى ضرورة استعمال الكلمة النافعة والقول السديد في الحياة الدنيا، وبين أن في هذا الطريق صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وإقالة العثرات فقال: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً).
وقال:( يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً)
والقول السديد يشمل: القول القصد والحق، القول الصدق، القول العدل، القول المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، القول المحدد اتجاهه وهدفه، القول الذي يراد به وجه الله تعالى، القول الموافق ظاهره باطنه، الإصلاح بين المتشاجرين، الذي يتضمن كل ما فيه منفعة للبلاد والعباد.
ولأن الكلمة النافعة هي من شيم الأبرار، وشعار الأطهار، وتوفيق من الله جل وعلا، وهو ثمرة مجاهدة طويلة، ومذاكرة للعلم مديدة، فالعلم يهذب المنطق، ويجلو الفكرة، ويسدد البيان.
وتشمل الكلمة النافعة أيضا ما هو تعبير عن إرشاد من أقوال الأنبياء والعلماء والحكماء، وما هو تبليغ لإرشاد غيره من مأثور أقوال الأنبياء والعلماء، فقراءة القرآن على الناس من الكلام النافع ، ورواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من الكلام النافع ، وفي الحديث: نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها.
فالكلمة إذن أمانة، والعاقل هو من يفكر قبل أن يتكلم , والأحمق من يتكلم دون أن يفكر، لأنه( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) .
فما يخرج من اللسان ليس شيئاً يمكن أن يُلفظ فيُهمل، أو يُودع في عالم النسيان، كلا، بل هو ذات شأن جليل، سلب، أو إيجاب، وله تبعة دنيوية وأخروية، فإنه مسجل ومكتوب لن يضيع أبدا.

تعليقات
إرسال تعليق