إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء السابع مع القرآن الكريم، وقد توقفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة المحمدية كان مشهورا وملقبا في قريش قبل البعثة بالصادق الأمين، وأما بعد البعثة فقد شهد له ربه بقوله تعالى فى سورة القلم " وإنك لعلى خلق عظيم " ولقد شهدت له زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها وهي ألصق الناس به، وأكثرهم وقوفا على أفعاله في بيته، بأنه صلى الله عليه وسلم" كان خلقه القرآن" وهكذا كانت الرسالة المحمدية رسالة إنسانية والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الإنسانية، والقرآن الكريم هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإذا تعرض الإنسان لأي ضعف في دينه فعليه بالقرآن، ويجب على المسلم أن يتأثر بالقرآن الكريم عند تلاوته ويتفاعل معه فيضطرب أو يهتز قلبه، ويشعر كأن القرآن يتنزل عليه هو في قراءته، إن من ينظر إلى الواقع الأليم يجد انحدارا ملحوظا في المعاني الإنسانية التي تربي عليها آباؤنا وأجدادنا ولذلك حينما تجلس مع أحد من كبار السن تجد هذه المعاني متأصلة فيهم وتجدها في سلم الانحدار فيمن بعدهم من شباب الموضة والمظاهر الخداعة وفي ذلك يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
"أتى على الناس زمان كان الرجل يدخل السوق ويقول من ترون لي أن أعامل من الناس؟ فيقال له عامل من شئت، ثم أتى زمان آخر كانوا يقولون عامل من شئت إلا فلانا وفلانا، ثم أتى زمان آخر فكان يقال لا تعامل أحدا إلا فلانا وفلانا، فما أحوج الأمة الإسلامية إلى تطبيق المعاني الإنسانية التي تربى عليها الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين إن هذه الإنسانية جعلت الواحد منهم يقضي كله من أجل احترام إنسانية الإنسان الذي أمامه مهما كان موضع كل منهما، فهذه خولة بنت ثعلبة ذات يوم مرت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه أيام خلافته، وكان خارجا من المنزل، فاستوقفته طويلا ووعظته قائلة له يا عمر، كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك عمر، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وعمر رضي الله عنه واقف يسمع كلامها بخشوع، فقيل له يا أمير المؤمنين، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف كله؟ فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه، والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، ثم سألهم أتدرون من هذه العجوز؟ قالوا،لا، قال رضي الله عنه هي التي قد سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أفيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟
فما أحوج الأمة إلى القيم الإنسانية ولا سيما مع الضعفاء وذوي الاحتياجات وذلك بأن نقضي حاجتهم ونرفق بهم، فعن أنس رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت يا رسول الله إن لي إليك حاجة فَقَال صلى الله عليه وسلم " يا أم فلان، انظرى أى السكك شئت، حتى أقضى لك حاجتك " فخلا معها فى بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها " رواه مسلم، وهذا من حلمه وتواضعه صلى الله عليه وسلم وصبره على قضاء حوائج ذوي الاحتياجات الخاصة، وفي هذا خير كثير وبركة عظيمة للأمة بوجود هؤلاء الضعفاء، بل إن وجود الضعفاء في المجتمع سبب لرفع الضر والعذاب عنا، فعن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال " لولا شيوخ ركع، وشباب خشع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا " فإننا نحتاج إلى أن نربي إنسانا بمعنى الكلمة نحتاج إلى زرع إنسان يبقى أثره مئات السنين، كما قال أحدهم إذا أدرت أن تزرع لسنة فازرع قمحا، وإذا أردت أن تزرع لعشر سنوات فازرع شجرة، أما إذا أردت أن تزرع لمائة سنة فازرع إنسانا، فيجب أن لا تفقدوا الأمل في الإنسانية لأنها محيط، وإذا ما كانت بضع قطرات من المحيط قذرة، فلا يصبح المحيط بأكمله قذرا، فإننا نحتاج إلى إنسانية في التعامل مع الكبير.
وإنسانية في التعامل مع المذنب، وإنسانية في التعامل مع المخطئ، وإنسانية في التعامل مع الحيوانات، وإنسانية في التعامل مع النساء، وإنسانية في التعامل مع غير المسلمين، وإنسانية في تعامل الطبيب مع المرضى، وإنسانية في تعامل رب العمل مع عماله، وإنسانيه في تعامل الموظفين والمسئولين والإداريين مع الجماهير وقضاء حوائجهم، وإنسانية في التعامل مع جميع فئات المجتمع مع اختلاف ثقافاتهم وبيئاتهم وأشكالهم وألوانهم ووظائفهم وأحوالهم، نحتاج أن نجسد الإنسانية من خلال شخصية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التعامل مع الآخرين ونسقطها على أرض الواقع، فهو قدوتنا وأسوتنا، فقال الله عز وجل فى سورة الأحزاب " لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا " وهذا هو الرسول الأكرم والمعلم الأعظم يضرب المثل والقدوة في التأثير بالقرآن الكريم والتجارب مع آياته الكريمة، فعن عبد الله بن مسعود قال، قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم " إقرأ على، قلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال نعم، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " قال " حسبك الآن فألتفت إليه فإذا عيناه تذرفان " رواه البخارى.
أي يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم من التأثر بالقرآن والتعايش معه، إذ علم أنه صلى الله عليه وسلم المقصود والمعني بهذه الآية، وعن مطرف عن أبيه قال " آتيت النبى صلى الله عليه وسلم وهو يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل يعنى يبكى " رواه أحمد وأبو داود النسائي، أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يحدث مثل الهزة عند القراءة لشدة تأثره بها، وأزيز المرجل هو صوت الإناء الذي يغلي به الماء، وإن من الواجب على قارئ القرآن الكريم أن يتأدب بآدابه، ويتخلق بأخلاقه، ويتمسك بتعاليمه، فبأخلاقه يتحرر الإنسان من أهوائه وشهواته، وتتقوى نفسه بالأخلاق القويمة، فقال الله تعالى فى كتابه الكريم فى سورة الإسراء " إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا " وإن أسوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد كان قرآنا يمشي على الأرض، يتخلق بخلقه، يرضى برضاه، ويسخط لسخطه، وقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم، فقالت " كان خلقه القرآن" ولقد دعانا القرآن الكريم في معظم آياته البينات إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، فمنه نتعلم الرحمة، والصدق، والعدل، والسماحة، والأمانة، والوفاء بالعهد.
وغير ذلك من الأخلاق التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، ففي ذلك سعادته في الدنيا والآخرة، وإن حافظ القرآن الكريم ينبغي أن يتميز عن غيره، فينبغي أن يعرف بطهارة لسانه من الغيبة ومن البذاءة، وبنقاء قلبه، وبسمو خلقه في تعامله مع الناس، و باهتمامه بإخوانه المسلمين، ومن هنا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " ينبغي لحامل القرآن أن فى بليله إذ الناس نائمون، و بنهاره إذ الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس فرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخلطون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا حليما حكيما سكيتا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا ولا غافلا ولا صخابا ولا صياحا ولا حديدا، أي فيه حدة و هي الغضب، وقد قال الفضيل رحمه الله أن حامل القرآن هو حامل راية الإسلام، فلا ينبغي أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو، تعظيما لله تعالى، كما إن واجبنا نحو القرآن الكريم أنه لا يقف عند تلاوته أو جمعه في الصدور أو حتى تدبره، إنما يتم بالتزام أوامره ونواهيه، بحيث يظهر هذا جليا في أفعالنا وأخلاقنا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فعلى المسلم أن يأتمر بأوامر القرآن الكريم وينتهي عن نواهيه.
فيقول النبي صلى الله عليه وسلم " والقرآن الكريم حجة لك أو عليك " رواه مسلم، فيكون حجة عليك حين تقرؤه فلا يتجاوز آذانك، ولا ينعكس على سلوكياتك وتصرفاتك، فرب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، وعن سمرة رضى الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكثر أن يقول لأصحابه " هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قال فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال ذات غداة " إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي انطلق، وإني انطلقت معهما" الحديث وفيه " فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر" وفي رواية " وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل مرة الأولى، قال قلت لهما سبحان الله ما هذان؟ قال قالا لي انطلق" والحديث وفي آخره " أما الرجل الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة" وفي لفظ " والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علَّمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار" البخاري، وقد أمرنا النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بقراءته وتعاهده.

تعليقات
إرسال تعليق