كتبت / آلاء زكريا المنسي
المِصريون لم يتقبلوا الموت فعلًا، ولكنهم أيضًا لم يقصوه. فالموت وجد أمام أعينهم بالفعل في شكل مُتعدد، وعلى عكس ما يبدو لنا في شكل لا نقبله أيضًا.
وفي الحضارة المصرية يمكن للمرء أن يلاحظ بشكل لا يوجد في أي حضارة أخرى، ما يسمى، عدم تقبل الموت، وكن في الوقت نفسه وضعه في مركز كل الحواس والسعي، والتفمير والتصرف، وجعله موضوعاً للتكوين الحضاري بطريقة متعددة. لقد كره المصريون الموت وأحبوا الحياة.
لقد كانت طريقة الدفن لدي المِصريين مُثيرة ومُفجِعة في آنٍ واحد ..
« ما أجمل ما يأتيه .. لقد كان يملأ قلب خِنسو إلي حد أنه تَمكن من أن يصل إلي الغرب برِفقة أجيال و أجيال من أتباعه وخَدمه » .
كلمات تُوحي بالحُزن .. يُشارِك بها الأفراد الأكثر رزانة في مَوكِب الجنازة ، حيثُ يذكرون أثناء سيرهم فضائل المُتوفي .
كان التابوت يُوضع داخل نعش مُزين ، تَجره بقرتان وبعض الرجال ، ويتكون هذا النعش من ألواح من الخشب ذات إطارات غير مُثبتة أو من هيكل خشبي تتدلي منه ستائر من قُماش مُطرز أو من الجلد ، وكان يُوضع في قارب تُحيط به تماثيل (إيزيس و تفتيس) أما القارب نفسه فكان يُوضع بدوره فوق زحافة .
كان الموكب يسير ببطء حتي يصل إلي شاطئ النيل .. حيثُ كان في انتظاره أُسطول صغير من القوارب و أما القارب الرئيسي فكانت مقدمته ومؤخرته مُقوستين في رشاقة إلي الداخِل ، وتنتهيان في شكل مجموعات من نبات البردى ، وبه غُرفة كبيرة مُبطنة مِن الداخِل بأقمِشة مُطرزة وسيور من الجلد وفي هذه الغرفة كان يُوضع النعش ، ومعه تماثيل إيزيس ونفتيس ، ويقوم الكاهن بحرق البخور وهو يُغطي كتفيه بجلد فهد ، بينما تُواصِل النائِحات اللطم علي رؤوسهنَّ ..
ويقتصر عدد نوتية هذا القارب علي بحّار واحد ..
إذ أن القارب الذي يَحمِل التابوت كان يجُره مركب أُخري ذات عدد كبير من النوعية بقيادة قُبطان يقف في مقدمة المَركب يُعاونه نوتي يتحكم في الدّفة في مؤخرة المركب ..
وهذه المركب القاطرة تحتوي على حُجرة واسعة تجتمع النائحات فوق سطحها مُتجهات نحو النعش ويواصلنَّ الصِراخ ويأتينَّ بحركات تنُم عن الحُزن الشديد ، وهاك بعض ما يَقُلنه في ندبهنَّ :
« لنذهب سريعاً نحو الغرب .. مع السلامة .. مع السلامة أيها الممدوح يا جميل الصفات ! .. اذهب بالسلامة نحو الغرب .. اذهب بالسلامة أيها الممدوح ! .. وإذا شاء الإله فسنراكم أنتم الذين تسيرون نحو هذه الأرض التي يتساوي فيها الناس .. متي حان الموعد الذي يحل فيه يوم الأبدية ».
ولكن ما شأن أهل جُبيل كبنيت هنا وهي مركب مُعدة للسفر في أعالي البِحار ، بينما المركب الخاصة بالنعش لم تُصنع إلا لتعبر النيل فقط ؟؟
علي أنه يوجد بينهما تشابه كبير ، إذ عندما تمكنت إيزيس من أن تسترد الشجرة المُقدسة التي كانت تَحوي جسد زوجها أوزيريس حملتها فوق مركب كانت مُتأهِبة الإقلاع مُتجِهة نحو مِصر وهُناك احتضنتها وأخذت ترويها بدموعها وهكذا تفعل سيدات الأُسر تعبيراً عن حُزنهنَّ فوق القارب أثناء عبور النيل .
وكانت تُستعمَل أربع سُفن أخري لنقل أولئك الذين كانوا يرغبون في مُصاحبة المّتوفي حتي مثواه الأخير ، وتُوضع فيها أيضاً كافة الأثاث الجنائزي ، أما من لم يكُن يرغب في الذهاب بعيداً فكانوا يبكون علي الشاطئ ويُوجهون إلي صديقهم تمنياتهم الأخيرة :
« لعلك تَبلُغ بسلام نحو غرب طيبة » .
أو كانوا يقولون أحياناً :
« إلي الغرب .. إلي الغرب ، أرض الأبرار ، إن المكان الذي كنت تُحبه يتفجع أسي وحسرة عليك ! »
وقد أتت اللحظة التي ترفع فيها المرأة الثُكلي صوتها الناحب وتقول :
« يا أخي .. يا أخي .. يا حبيبي .. ابق .. استقر في مكانك ولا تبتعد عن المكان الذي تسكنه .. واحسرتاه إنك تذهب لتعبُر النيل ، أيها النوتية لا تتعجلوا .. اتركوه .. إنكم ستعودون إلي بيوتِكم بينما هو ذاهب إلي أقطار الأبدية ! ».
المصادر والمراجع :
- الموسوعة المصرية : تاريخ مصر القديمة وآثارها ، ج1
- سميرة أديب : تاريخ مصر القديمة ، القاهرة ، 1997
- محمد ابراهيم بكر : صفحات مشرقة من تاريخ مصر القديمة ، القاهرة 1992

تعليقات
إرسال تعليق