كتب- هانى زكريا
كما يقال في الأمثال "المكان بناسه" و اذا تحدثنا عن مقهى ريش فهو خير ما يطبق عليه هذا المثل - كيف لا و قد كان ملتقى الأدباء و المفكرين و المثقفين لسنوات طويلة ، و كيف كانت مقاعده تستوعب هذه القامات العظيمة مجتمعه في مكان واحد و في زمان واحد. من أشهر رواده الشاعر حافظ ابراهيم ، نجيب محفوظ ، يوسف ادريس ، صلاح جاهين ، كامل الشناوي ، ثروت أباظة ، امل دنقل ، مصطفى امين ، احمد طوغان و غيرهم الكثير و الكثير من الأسماء التي لمعت في سماء الفن و الأدب و السياسة. و كما كان ريش ملتقى الأدباء و المثقفين ، كان ايضاً ملتقى الأفندية من الطبقة الوسطى.
تعالوا بِنَا نتعرف على قصة أشهر مقهى في مصر في أوائل القرن العشرين.
يقع مقهى ريش بالقرب من ميدان طلعت حرب بوسط البلد. تأسس على أنقاض قصر محمد علي بالقاهرة عام ١٩٠٨ و انتهى احد المهندسين الألمان من تشييده عام ١٩١٤. الا انه باعه للفرنسي هنري بير احد الرعايا الفرنسيين في مصر فأعطاه اسم "ريش" تيمناً بأشهر مقهى في فرنسا في ذلك الوقت "كافيه ريش".
آل المقهى بعد ذلك الى تاجر يوناني اشتراه من صاحبه الفرنسي قبل انتهاء الحرب العالمية الاولى حيث اجرى عليه الكثير من التوسعات و التحسينات.
•• مقهى الثورة : كان لمقهى ريش دور بارز في ثورة ١٩١٩ حيث كان ملتقى الثوار من كل حدب و صوب ، بل و على اغلب الظن فان صاحبه كان ينتمي لتنظيم سري حيث وجد بالمقهى بعد ٨٠ سنة من انتهاء الثورة آله لطبع المنشورات و مجموعة من المنشورات وجدت في سرداب سري. و في نفس العام ١٩١٩ شهد المقهى محاولة لاغتيال رئيس الوزراء في ذلك الوقت يوسف وهبة.
•• مقهى الفن : حسب ما جاء في جريدة المقطم في عددها الصادر في مايو ١٩٢٣ فانه حدث يوماً ان اصطحب الشيخ ابو العلا محمد تلميذته النابغة ام كلثوم ؛ و كانت لاتزال طفلة ؛ و لما سمع صاحب المقهى و رواده صوتها تعاقد معها المقهى ان تقدم حفلات في يوم الخميس من كل أسبوع و تم وضع اعلان لشد انتباه المارة كتب عليه "هلموا لحجز محلاتكم من الآن كرسي مخصوص ب ١٥ قرشاً و الدخول العمومي ب ١٠ قروش". و قد ظلت ام كلثوم تحن للمقهى حتى بعد ان بلغت شهرتها عنان السماء و شوهدت يوماً ما في الأربعينيات تجلس هناك على طاولة تضمها مع احمد رامي ، سليمان نجيب و كامل الشناوي بينما كان القصبجي يعزف بأنامله اعذب الألحان.
•• مقهى الحب : ففي المقهى نسجت اجمل قصص الحب و التي كللت بالزواج ، فهناك تعرف محمد عبد القدوس على زوجته روز اليوسف عندما التقاها هناك اثناء مشاركتهم في احدى مسرحيات فرقة عزيز عيد و التي تم عرضها في بهو المقهى.
و شهد المقهى ايضاً قصة حب جمعت بين امل دنقل و زوجته فيما بعد عبلة الرويني و ايضاً احمد فؤاد نجم و زوجته صافيناز كاظم.
و اذا قمت بزيارة مقهى ريش ستجد اكثر ما يميزه رسومات على جدرانه و جوانبه لأشهر شخصياته و مرتاديه. و من أشهر شخصياته "فلفل النوبي" او عّم محمد حسين صادق أشهر جرسونات مصر في ذلك الوقت و الذي ظل يعمل بالمقهى لما يقارب خمسين عاماً حظي فيها بحب و احترام جميع الزبائن.
و الجدير بالذكر انه تم إغلاق المقهى اثناء فترة حكم الرئيس السادات لما كان يدور فيه من نقاشات ساخطة و جدل حول اتفاقية السلام مع اسرائيل الا انه أعيد افتتاحه بعدها بسنوات.
بقى ان نذكر ان صاحب المقهى المصري و الذي اشتراه من التأخر اليوناني اخر مالك احنبي له هو السيد مجدي عبد الملاك الشهير بمجدي ريش ، و قد رحل عن عالمنا بعد معاناة طويلة مع المرض عام ٢٠١٥.


تعليقات
إرسال تعليق