بقلم مصطفي حسن محمد سليم
تساقطت قطرات المطر بغزارة في ذلك اليوم، مما فضل الكثير البقاء داخل منازلهم، ولكن ذلك لم يمنع حازم من البقاء داخل سيارته يتطلع إلي نافذة في الطابق الثاني، وهو ينتظر أن تفتح النافذة في أي وقت، وصوت الموسيقي ينساب من راديو السيارة، وهو يسترجع بعض الذكريات التي تربطه بهذه الموسيقي، وصورة أبنته الصغيرة وهي تلعب بعدة لعب من العرائس وهي تضعها في صندوق ألعابها بعناية شديدة، وشعر بحركة زوجته تقف خلفه وهي تقول له في سعادة أنظر إليها ياحازم كم هي جميلة، أنها حقاً طفلة رائعة، أبتسم حازم وهو ينظر إليها قائلا في سعادة أن هذه اللحظات التي تمر بها الآن هي أسعد لحظات عمرها، أن الأطفال في هذا العمر يتعلقون بلعبهم وهم يصنعون عالم وهمي داخل مخيلتهم يأخذهم إلي عوالم خفية، وأفاق من شروده علي صوت طرقات خفيفة علي زجاج السيارة، أخذ نفس عميق كأنه يستعيد نفسه من هوة الماضي السحيقة وهو يفتح زجاج السيارة ببطء، وطالعه وجه شرطي المرور يطلب منه التحرك من هذا المكان لأنه يقف في مكان مخالف ، شعر حازم بغضب شديد وهو يتحرك بسيارته وهو يقف علي جانب الطريق دون أن يبتعد كثيراً عن مكان نافذتها، ثم عاد لغلق زجاج السيارة مرة أخري وهو يسقط مرة أخري في هوة الماضي، ولكن هذه المرة أستدعي موقف حدث له صباح أحد الأيام عندما أستيقظت زوجته من النوم متأخرة عن موعد دخول المدرسة وطلبت منه أن يقوم بتوصيل أبنته إلي المدرسة، ثم قامت بتحضير حقيبة أبنتها في سرعة وهي تسبقه إلي الجراج لتنتظره، شعر حازم بالضيق الشديد وهي يصطحبهم إلي المدرسة، لقد قرر منذ الأمس عدم الخروج لأي سبب كان، ولكنه هاهو الآن يضطر إلي الخروج من المنزل كي يقوم بتوصيل أبنته للمدرسة، شعر بحركة خلف نافذة الطابق الذي يتعلق نظره به وستارة النافذة تتحرك ثم تعود لمكانها، أقترب بوجهه من زجاج السيارة في لهفة وهو يتوقع رؤيتها في أي وقت ولكن بلا فائدة، نظر في ساعته لقد مرت ثلاث ساعات علي وقوفه أسفل منزلها شعر بالغضب لعدم رؤيتها تخرج طوال تلك الفترة التي مكثها في هذا الجو الممطر، أدار محرك سيارته وهو يلقي نظرة أخيرة علي نافذة الطابق الثاني وهو يتذكر كيف حدثت مشكلته الأخيرة مع أبنته، عندما صممت علي الزواج من ذلك الرجل رغم رفضه لزوجها أكثر من مرة، ولكنه فؤجي في أحد الأيام باختفاء أبنته من المنزل، وعرف أنها تزوجت من ذلك الرجل رغماً عن إرادته مما جعله يقاطعها للأبد، ولكن بعد أن توفيت زوجته وشعر هو بأقتراب نهايته دفعه ذلك إلي التعلق بنظرة واحدة لرؤيتها دون أن يجرح كرامته، وقد رفض كثيراً طلبها بالعودة إليه، وفي نفس الوقت الذي بدأ يتحرك بسيارته وجدها تقف أمام سيارته، ثم تندفع نحو باب السيارة وتفتحه في قوة بعد أن توقف وهي تمسك بيديه ودموعها تنهال في غزارة تطلب منه إلا يذهب ،ولكنه يسحب يديه في عنف منها ودموعه تغرق ملامح وجهه، وفي لحظة شعر بمشاعر الأبوة تتحرك بداخله وهو يربت علي كتفها ويغادر سيارته وهو يمسك بيديها في سعادة، وهو يتجه معها إلي منزلها، لقد قرر أخيراً أن يسامحها، وشعر براحة نفسية تسري بداخله وهو يشعر في هذه اللحظة أن روح زوجته ستشعر حتما بالاستقرار في هذه اللحظة.

تعليقات
إرسال تعليق