أهوال يوم القيامة الجزء الثاني .. تفاوت الناس في العرق .. بقلم : ســـوسن محمـــود


 

 
كتبت ســـوسن محمـــود
 
يجمع الناس في الموقع في المحشر في الكروبات، وتدن الشمس قال عليه الصلاة والسلام:
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[المطففين: 6]
قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه [رواه البخاري: 4938، ومسلم: 2862]، والرشح: هو العرق سُمي بذلك؛ لأنه يخرج من البدن شيئاً بعد شيئا، كما يرشح الإناء المتحلل الأجزاء.
وجاء في رواية سعيد بن داود: حتى إن العرق يلجم أحدهم إلى أنصاف أذنيه.
قال ابن حجر -رحمه الله-: "وهذا ظاهر في أن العرق يحصل لكل شخص من نفسه"، لأنه هناك بحث هل العرق الذي يغطي مستويات مختلفة من الناس هو عرق كل واحد وحده أو يشترك معه عرق الباقيين، ويسيح بعضه على بعض، قال ابن حجر -رحمه الله-: "وهذا ظاهر في أن العرق يحصل لكل شخص من نفسه" [فتح الباري: 11/393].
وقال القاضي عياض -رحمه الله-: "يحتمل أن يريد عرق الإنسان نفسه بقدر خوفه مما يشاهده من الأهوال، ويحتمل أن يريد عرقه وعرق غيره فيشدد على بعض ويخفف على بعض"، لأنه منهم من يكون العرق إلى عقبيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، وإلى ثدييه، ويلجمه إلجاماً، ويغرق في عرقه، قال: "وهذا كله بتزاحم الناس وانضمام بعضهم إلى بعض حتى صار العرق يجري سائحاً في وجه الأرض كالماء في الوادي بعد أن شربت منه الأرض وغاص فيها سبعين ذراعاً". [فتح الباري: 11/ 393].
ويبقى هذا القيام الطويل في اليوم الثقيل مدة أربعين سنة قبل أن يأذن الله -تعالى- بفصل القضاء بين خلقه، يوم القيامة طويل طوله خمسين ألف سنة، الناس يقومون في العرق أربعين سنة،
الدليل الوارد في ذلك هو حديث عبد الله بن مسعود 
قال: يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قياماً أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء وينزل الله في ظلل من الغمام، الحديث رواه الطبراني [المعجم الكبير: 9763]، وصححه الألباني في صحيح التقريب [3591].
إذاً الآن في أربعين سنة في العرق، فإن قال قائل العرق هذا لماذا يصدر بهذه الغزارة؟ فنقول: لقد اجتمع على الناس أسباب متعددة للعرق:
منها: الزحام ليس للإنسان إلا موضع قدميه، والزحام يخرج العرق.
ثانياً: دنو الشمس من رؤوس العباد وهي حامية.
ثالثاً: تقريب جهنم وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ[الفجر: 23] ولها حرارة.
رابعاً: الخوف والفزع، فإن الإنسان إذا خاف وفزع عرق، فهذه الأسباب المجتمعة تجمع الناس عقول، وكل واحد عرقه مستواه على حسب أعماله، فمنهم من يكون إلى عقبيه، وإلى أنصاف ساقيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، وإلى ثدييه، وهكذا.
ومن عجيب ما يحدث للشمس في ذلك اليوم أنها تدنو من الخلائق حتى تكون من رؤوسهم على مقدار ميل؛ فلذلك يشتد ما بهم من العرق، غير أن من رحمة الله -تعالى- بعباده أنهم يتفاوتون بحسب أعمالهم، فروى مسلم عن المقداد بن الأسود قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: تُدْنَى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، قال سُليم بن عامر: "والله ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين"، فهذا الميل الذي يدخل في المكحلة لتكحيل العين، ميل قصير، فهل أراد به هذا الميل، أو أراد به مسافة الميل المعروفة، طبعاً الميل على ما كانت تقيس به العرب، وهو قريب من الميل هذا المعروف في المسافة، لكن بينهما اختلاف في الطول، طبعاً حتى الميل الشمس الآن ثلاثة وتسعين مليون المسافة، فكيف إذا صارت على مقدار ميل؟
قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً قال: فأشار النبي ﷺ بيده إلى فيه فإذاً يغطيه" [رواه مسلم: 2864]، يلجمه يصبح كاللجام يغطيه.
وقال النبي ر كما في حديث أحمد عن عقبة بن عامر: تدنو الشمس من الأرض، فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ وسط فيه وأشار بيده فألجمها فاه" -غطى بها الفم- "رأيت رسول الله ﷺ يشير هكذا، ومنهم من يغطيه عرقه تغطية تامة وضرب بيده إشارة" [رواه أحمد: 17475]، وصححه الألباني في الترغيب [3588].
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "الأولى أن تكون الإشارة بمن يصل الماء إلى أذنيه إلى غاية ما يصل الماء، ولا ينفي أن يصل الماء لبعضهم إلى دون ذلك". [فتح الباري: 11/146].
واستشهد بالحديث السابق، وأيده أبي المقداد قال: فإنه ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم، ويتفاوتون في حصوله فيه، إذاً: كل واحد يصل إليه العرق، لكن كل واحد يختلف مستوى العرق بالنسبة إليه على حسب عمله.
نتابع بإذن الله الجزء الثاني من سلسله أهوال يوم القيامة

تعليقات