إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء السادس مع الصحابى النعمان بن بشير رضى الله عنه، وقد توقفنا مع النعمان بن بشير، وقد توقفنا عندما قال بعض المؤرخين بأن معاوية بن أبى سفيان، في آخر أيامه، قد تقصد أن يولي الكوفة النعمان لكي يطوي العهود الوحشية والدموية البشعة التي توالت على الكوفة في عهد عامليه، زياد بن أبيه والمغيرة بن شعبة وإنه أراد أن يُنسي الناس تلك الأيام المظلمة ويطوي تلك الصفحات السوداء في حياتهم فولى النعمان بن بشير وأوصاه باللين والتسامح وبعض الإصلاح كما يقولون، وقيل أنه كان عشرون عاما من الإرهاب وما لا يحصى من الدماء البريئة التي أراقها معاوية بن أبى سفيان من شيعة أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه، خلال مدة ملكه وممارسة شتى وسائل التعذيب بحقهم من قطع الرؤوس والأطراف والصلب على جذوع النخل ودفنهم أحياء وشن الغارات الوحشية على المدن والقرى الآمنة والتصفيات الجسدية.
التي طالت حتى النساء والأطفال إضافة إلى ممارسات السلب والنهب والسبي التي وصفها معاوية بن أبى سفيان لأحد أتباعه وهو بسر بن أرطأة وقد قيل أنه أوصاه بسلب الأموال ونهب الممتلكات، وقيل أنه لم يستثني من عمليات التصفية الجسدية بحق شيعة الإمام على، حتى الصحابة الأجلاء الكبار أمثال، حجر بن عدي الكندي, وعمرو بن الحمق الخزاعي, وعمرو بن عميس بن مسعود ابن أخي الصحابي عبد الله بن مسعود, وغيرهم، وكان النعمان بن بشير، واحدا من أولئك الذين لهم نصيب وافر من هذه الجرائم والموبقات والمخازي، وكن هل أن مثل النعمان بن بشير وهو أحد أدوات معاوية بن أبى سفيان يميل إلى التسامح واللين والإصلاح ؟ وهل أن مثل معاوية من يميل إلى حقن الدماء وهو الذي حتى عندما أحس بدنوّ أجله أصر على تنصيب يزيد بن معاوية مكانه في الخلافة وسخّر كل وسائله في سبيل ذلك رغم إنه يعرف ابنه جيدا.
ولقد عُرف معاوية بأساليبه ودواهيه العظمى لتحقيق مآربه ولعل في استقراء أحداث تلك الفترة ما يوضح سبب تولية النعمان بن بشير، على الكوفة من قبل معاوية دون غيره ويفصح عن سبب تغافل النعمان عن حركة مسلم بن عقيل، في الكوفة وعدم التصدي لها ومجابهتها، وقد قيل أنه كان النعمان بن بشير الأنصاري بعيدا عن الإمام علي رضى الله عنه، وقد خاض الدماء مع معاوية بن أبى سفيان خوضا، وكان من أمراء يزيد ابنه حتى قتل وهو على حاله، ورغم أن هذا الوصف ينفي ما وصُف به النعمان من التسامح والمداراة إلا أنه لا يعطي الصورة الحقيقية له، وقيل بأن هناك حديث عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ميز به المؤمن من المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم " يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة" فكان الصحابة يعرفون المنافقين منهم ببغضهم للإمام علي بن أبى طالب رضى الله عنه.
وقيل أنه بلغ من وفائه لمعاوية أن حُظي بمنزلة كبيرة عنده, وكان يكرمه ويرفع من شأنه أمام أهل الشام, وكان يقول يا معشر الأنصار تستبطئونني وما صحبني منكم إلا النعمان بن بشير وقد رأيتم ما صنعت به, وكان ولاه الكوفة وأكرمه، نعم هكذا ينتقي معاوية رجاله من الناس، وقد أقام النعمان في الكوفة بعد رحيل أبي هريرة عنها أشهرا ثم خرج فارا, فمرّ بعين التمر، وهي مدينة عراقية بين كربلاء والأنبار وهناك قبض عليه مالك بن كعب الأرحبي وكان عاملا للإمام علي بن أبى طالب، عليها فقال له مالك ما مر بك ههنا ؟ فقال النعمان إنما أنا رسول بلغت رسالة صاحبي ثم انصرفت، ولكن مالك لم يقتنع بقوله فارتاب منه وحبسه، ثم قال له تبقى هنا كما أنت حتى أكتب إلى الإمام علي فيك, فتوسل إليه النعمان أن لا يكتب إلى الإمام علي وأن يطلق سراحه وأقسم له أنه أدى رسالته وهو عائد إلى الشام, فقد ثقل على النعمان مواجهة الإمام على رضى الله عنه.
وهو على هذه الحال بعد أن قيل أنه أعطى كلمته بأنه سيبقى معه وفر منه بعد ذلك, ولكن مالك أصرّ على مكاتبة على بن أبى طالب بمصيره, وحاول النعمان التخلص منه بشتى الطرق, فسمع بأن قرظة بن كعب الأنصاري قد جاء إلى عين التمر يجبي خراجها للإمام علي, فأرسل من يعلمه بحاله مع مالك وأوصاه بأن يحضر لينقذه من هذا المأزق, فجاء قرظة مسرعا حتى وصل إلى مالك بن كعب فقال له خل سبيل هذا الرجل، يرحمك الله، فقال له مالك يا قرظة, اتق الله ولا تتكلم في هذا فإن هذا لو كان من عباد الأنصار ونساكهم ما هرب من أمير المؤمنين على بن أبى طالب، فلم يزل قرظة يقسم عليه ويرجوه أن يطلق سراحه حتى خلى سبيله، ولكن مالك لم يكن ليترك النعمان يذهب وهو يظن بأنه قد خدعه بكلامه فقد وجه إليه كلاما أذله فيه، وقيل أنه قال له يا هذا لك الأمان اليوم والليلة وغدا ثم والله لئن أدركتك بعدها لأضربن عنقك، ولم يصدق النعمان أنه قد أفلت من مالك.
فما كاد مالك ينتهي من كلامه حتى ركض مسرعا وركب بعيره ليبتعد بما يستطيع عن مالك وهو يسير على غير هدى وبقي في الصحراء ثلاثة أيام لا يدري إلى أين تقوده راحلته ؟ بل لا يدري أين هو؟ ثم وجد ضالته فبينما هو يسير إذ رأى قرية صغيرة فوقف ليستجلي الخبر, ومع من هذه القرية ؟ فعلم أنه عند بني القين وهم حي من أتباع معاوية فلما دخل القرية وقد أقاموا حول الماء تنفس الصعداء حين التقى من هم على معاوية فأمن عندهم، ولما وصل إلى معاوية شارك زميله أبا هريرة تحريضه بدعوى المطالبة بدم عثمان بن عفان، وكان من الطبيعي أن يقف النعمان في صف جيش معاوية في حرب صفين ولم يكن مع معاوية من الأنصار غيره وغير مسلمة بن مخلد ولم تكن له في أيام صفين ولا غيرها مبارزة واحدة, وقيل أن النعمان وقف في صفين وخاطب زعيم الأنصار وسيدهم قيس بن سعد بن عبادة رضوان الله عليه، فقال له "يا قيس بن سعد.
أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه ويقصد معاوية، إنكم معشر الأنصار أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وإقحامكم على أهل الشام بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا كان هذا بهذا، ولكنكم خذلتم حقا ونصرتم باطلا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس، حتى أشعلتم الحرب ودعوتم إلى البراز، فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل الشام سراعا إلى برازكم والله لا تزالون أذلاء في الحرب أبدا، إلا أن يكون معكم أهل الشام، وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم، ونحن أحسن بقية، وأقرب إلى الظفر، فاتقوا الله في البقية"
وقيل أن قيس بن سعد عندما سمع هذا الكلام، وإنه يصف الأنصار بالأذلاء بوقوفهم مع الإمام علي ثم يقول الآن ونحن أقرب إلى فقيل أنه ضحك قيس من هذا القول فهو يعرف النعمان وصغره ولكنه آثر بأن يجيبه فقال له " والله ما كنت أراك تجترئ على هذا المقام, أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه.

تعليقات
إرسال تعليق