نزف الخوف... بقلم الكاتبة الفلسطينية رزان حريزات / وطنى نيوز


 


بقلم الكاتبة الفلسطينية رزان حريزات
 
من الغريب جدًا أن تقرأ كلام يُشعِرك بأنهُ كُتِبَ لأجلك، كلام لا يقيده الخجل، ولا يحكمه الكبرياء، من شدة غرابة السطور تشعر وكأنك تقرأ أسطر من رواية غامضة، تبتسم وتغضب ثم ترفع حاجب وتسقط دمعة هاربة من مقليتك، تلتحف السرير وتتناول وجبة دسمة من موسيقى الذاكرة، تحفز لديك هرمون البكاء والخوف، تحاول الصمود أنا أعلم ولكن الأمر صعبٌ حتى عليك.
يحملنا ها هنا الجنون، نرقص تحت أشعة الشمس الأرجوانية عند الغروب، نتذوق بنشوة أغنية على سطح بيت، نتأمل شهب الفضاء اللامعة، نُحصي نيازك السماء المارة، ونغمض أعيننا كلما مر أحدهم، ونجهر بالأمنية في سرنا، الأمنية التي أخفيناها وكأنها كنز، كطفلة في عمر الرابعة تتمنى رؤية ديزني عن قرب، ولكن الثقب في طبقة الأمازون في نصف الكرة الشمالي غير كينونتنا، واستبدل مشاعر الفرح بالكآبة المفرطة، حتى عدنا نبتسم ببكاء، لا سرٌ هنا ولا حرب، كل ما حدث بأننا نأكل بعضنا البعض، ويأكلنا الحزن.
بعد نصف القرن الواحد والعشرون، اعتدنا أن نُقتل سرًا، ونموت سرًا، وألا نشتكي أو نستغيث، اعتدنا بأن نبقى نبكي إلى أن ننام من فرط الدموع، نشعر بالتغير الذي يحدث داخلنا، نشعر وكأن شخصًا يقتلع قلوبنا ويستبدلها بأخرى، مؤلمٌ أن ترى نفسك تتغير للأسوأ ولا تستطيع فعل شيء لإيقاف الأمر، مؤلمة جدًا محاولاتي البائسة بأن أبقى بروح طفلة، تتعلق بسرعة، تبكي من كل شيء، وتحب الجميع، لا تتوقع السوء من أحد، تشعر وكأن الجميع ملائكة، تهب كل ما لديها من حب وعطف، يتكسر قلبها وتتغير ولكنها لا تشعر، تبقى طفلة ولكنها طفلةٌ خائفة.
أعزائي اللذين دُعيتم بالمجانين في كل مكان، بالرغم من محاولاتنا للولوج إلى فلسفة الحياة، كل ما حققناه بأننا استوعبنا حجم الكارثة الخفية التي لم ينتبه لها أحد، لم يعد ذا فائدة من كل ما قيل لنا وما بقي في حناجرهم أسير، نحنٌ الذين نرى ما وراء هذا الوضع، ما وراء الخوف، وماذا سيحدث بعد خمسون يوم، سيَقتل البرق الصارخ في خريف أكتوبر كل شيء، لن يبقي على بشر أو حجر، مجانين نحن، ندفع نفسنا بعيدًا في عزلة ووكر، وننسى شيء من ذواتنا على الأرض، فنشعر بكل الطقوس التي تمر عليه، وجميع الأحذية التي تدوس عليها ذهابًا وأيابًا، ويبقى الطقس متقلبًا، والقرن متعبًا حد الانتحار، ولكننا لن ننتحر، سنقاوم، فنحن جيلٌ مغرم بالحياةِ وبالفن..

تعليقات