كتبت. / ســـوسن محمـــود
عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: ((المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمُ، لا يَخُونُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِم حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالهُ وَدَمُهُ، التَّقْوى هاهُنَا، بحَسْب امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِم))
رواه الترمذي، وَقالَ: ((حديث حسن))
شــرح الحــديث
" المسلم أخو المسلم"
أخوة الإيمان، وأنها أقوى رابطة وأوثق من أخوة النسب
" لا يخونه ولا يكذبه"
لا يخونه أي لا يغدر به في محل الائتمان، إذا ائتمنه على شيء، أو على مال، أو على سر، أو على غير ذلك فإنه لا يخونه، والخيانة هي الغدر بالشخص في موضع الائتمان، ولا يجوز لأحد أن يخون أخاه المسلم حتى وإن خانه.
"و لا يكذبه" أي لا يحدثه بكذب
فإذا حدثه يصدقه، هذا من حق المسلم على المسلم أن يكون صادقاً معه، فلا يحدثه بحديث كذب لأن هذا فيه استخفاف به، وتدليس وتلبيس عليه، والكذب حرام، وكلما كانت آثاره أسوأ كان أشد إثماً
وليس في الكذب شيء حلالاً،و يتضاعف إثمه بحس ما يترتب عليه، فإذا كان يترتب عليه أكل مال المسلم صار اشد إثماً، وإذا كان لا يترتب عليه أي شيء من الأضرار، فإنه أخف ولكنه حرام
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم " إنه رخص في الكذب عند الإصلاح بين الناس وفي الحرب، وفي حديث الرجل امرأته. وحديثها إياه"
ولكن كثيراً من العلماء قال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث ليس الكذب الصريح، وإنما هو التورية، والتورية تسمى كذباً، وهي أن يظهر للمخاطب شيئاً غير الذي يريده هو
"ولا يخذله"
يعني: لا يترك نصرته حيث يحتاج إلى نصرته، والجزاء من جنس العمل فقد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على هذا : " ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته"
والخدلان في الحديث يشمل الفرد والجماعة، كما في حديث:" انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً "، فالمسلم لا يجوز له بحال من الأحوال أن يخذل أمة من الأمم، أو طائفة من المسلمين، أو أن يسلمهم إلي الكفار، فضلاً عن أن يعين أعداء الله عليهم، أو يفرح بظهورهم عليهم، أو يفعل هذا نكاية بهم
"كل المسلم على المسلم حرام عرضه"
" عرضه" بأن لا تنتهك عرضه، وتتكلم فيه بين الناس، سواء كنت صادقاً فيما تقول أو كاذباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الغيبة فقال: " ذكرك أخاك بما يكره" قالوا: يا رسول الله، أريت إن كان في أخي ما أقول؟ قال:" إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته"
" وماله" فلا يأخذ من ماله شيئا ، لا غصباً، ولا سرقة، ولا خيانة، ولا دعوى ما ليس له، ولا غير ذلك بأي طريق، فلا يحل لك أن تأخذ مال أخيك بغير حق فإنه حرامٌ عليك.
" ودمه "
فلا يعتدي على المسلم بقتل أو جرح او غير ذلك
فالواجب على المسلم أن يحترم أخاه في ماله وعرضه ودمه
وقوله: "التقوى هاهنا"
يعني: أن التقوى في القلب فإذا اتقى القلب أتقت الجوارح
والتقوى هي أن يجعل الإنسان بينه وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى، وألا يجدك حيث نهاك، وألا تُفقد حيث أمرك
والتقوى إنما تنشأ من القلب، وذلك أن عمل القلب أصل لعمل الجوارح، وكل أعمال الجوارح إنما هي متفرعة من عمل القلب، ولذلك قال النبي ﷺ: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب
فإذا كان في قلب الإنسان تقوى لله عزّ وجلّ وخوفٌ منه وخشيه له، استقامت أعماله الظاهرة؛ لأن الأعمال الظاهرة تتبع القلب.
فهذا القلب هو ملِك الجوارح وهي رعيته، وتصلح بصلاحه وتستقيم باستقامته، فقد تكون الجوارح مشتغلة بما ظاهره أنه من الأعمال الصالحة، ولكن الإنسان بمنأى عن ذلك كله إذا كان قلبه خالياً من تقوى الله ، وإرادة ما عنده، والإخلاص لوجهه
هذا معنى التقوى هاهنا، وليس المراد أن الإنسان يزعم أن قلبه قد اتقى وإن كانت جوارحه تشتغل بالمعصية، فهذا فهم غير صحيح، لأنه لو كان متقياً حقيقة لصلحت جوارحه، وصلحت أعماله
ثم قال صلى الله عليه وسلم " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"
يعني: يكفيه من الشر أن يحقر أخاه المسلم، فلو لم يكن من الشر للمسلم إلا أن يحقر أخاه ويستصغره ويستذله، لكان كافياً في الإثم، وفي هذا أعظم زاجر عن احتقار أخيك المسلم، وأن الواجب عليك أن تحترمه بما فيه من الإسلام والإيمان
من شرح الأحاديث
رياض الصالحين

تعليقات
إرسال تعليق