حكاية حي من أحياء القاهرة " حى الغورية " / وطنى نيوز

 

 
كتبت / إكرام بركات
 
هو شارع عريق يقع في منطقة الجمالية في القاهرة الإسلامية، أسسه السلطان قانصوه الغوري ، ويحده شارع الجمالية الذي يحتضن في طرفه الجامع الأزهر ويفصله عن ضريح مسجد الحسين والسوق ومنطقة خان الخليلي، وكان يسمى قديما حي (الشرابشيين) وكانت به دكاكين لصناعة وخياطة الملابس السلطانية. تضم الغورية كذلك مجمعا ضخما للآثار الإسلامية من العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي، ففيه باب الفتوح وجامع الأقمر وتكية السلحدار والمدرسة الكاملية، وقد اشتهرت الغورية بنظام الوكالات في البيع والشراء منذ إنشائها
انشأ حي الغورية في عهد السلطان أبو النصر قانصوه الغوري الشركسي أخر سلاطين دولة المماليك (1250-1517م)،وكان الغوري يحب الطرب ويقرض الشعر ويسمعه بالإضافة إلى ما يستسيغه من التواريخ والسير والقراءة، وكان مولعا بجمع التحف الثمينة وأضطره ولعه إلى جلب التحف التي كانت مودعه في خزائن الحجاز من موروث الإسلام الأول، ومنها مقتنيات الرسول الكريم والصحابة، التي صادرها بعدئذ الأتراك العثمانيون والتي تقبع اليوم في متحف طوب قابي في اسطنبول أو حتى نسخة المصحف الملطخة بدماء الخليفة عثمان بن عفان والتي كان يقرأها عندما اغتيل، والتي تقبع اليوم في إحدى متاحف آسيا الوسطى.
تقع مجموعة السلطان قانصوه الغوري الفريدة من المباني الاثرية على ناصية شارع المعز التاريخي الذي يعتبر أطول شوارع العالم الأثرية عند تقاطعه مع شارع الغورية. وتعد المجموعة الواقعة في الشارع عددا من المواقع الأثرية تتكون من قبة ووكالة وحمام ومنزل ومقعد وسبيل وكتاب وخانقاه. ضخما للآثار الإسلامية وهنا كتب الأديب الراحل نجيب محفوظ ثلاثيته الشهيرة : ( قصر الشوق، السكرية، بين القصرين) .
وقد شيد قانصوه الغوري مجموعته المعمارية الهامة في تاريخ العمارة والتي تتكون من وكالة الغوري- مسجد الغوري - قبة وسبيل وكتاب ومدرسة الغورى وتقع في نهاية شارع الغورية عند تقاطعه مع ش الأزهر وتأخذ شكل كتلة معمارية مميزة حيث تأخذ امتداد واحدا تظهر خطوطه في كل أجزاء هذه الكتلة المعمارية.
من هو السلطان قانصوه الغوري وبدايته ؟؟ .
البداية .. هو غلام مملوكي شركسي، ولد في عام 1446م، وكان من مماليك الأشرف قايتباي، وقد أصبح رئيسًا لعشرة، وعمره أربعين عامًا، ثم رقي إلى قيادة طرسوس وحلب وملطية، ثم أميرًا لألف، ثم رقي إلى قيادة طرسوس وحلب وملطية، ثم أميرًا لألف، ثم كبير الأمناء، وكان عمره ستين عامًا عندما أختير سلطانًا .
أجمع أمراء المماليك على تولية قانصوه الغوري سلطنة مصر في أول شوال 906ه/ 1501م، وأحضر القضاة والخليفة العباسي “المستمسك بالله يعقوب” وبايعوه بالسلطنة، وهو رافضًا للسلطنة خوفًا من بطش الأمراء به، فهو ليس بأفضلهم، ولكن الأمراء الكبار تجنبوا الإقدام على السلطنة خشية من بعضهم البعض، فأرادوا تولية من هو أضعف منهم حتى إذا أرادوا إقالته كان ذلك عليهم يسيرًا.
فقبل السلطنة بعد أن اشترط على الأمراء أن لا يقتلوه إذا أرادوا خلعه فقبلوا منه ذلك، واستمر في السلطنة خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوماً.
بدأ الغوري حكمه بطرد أتباع السلطان السابق، ثم قبض عليهم وسجن قسمًا، ونفي آخر، وصودرت أملاكهم، وعين بعض الفئات المعادية له في وظائف مهمة. وتمكن من القبض على السلطان السابق الذي كان يحيك له المؤامرات وقتله، فنجا الغوري من الخطر.
التفت السلطان الغوري إلى تدبير أمور الدولة، وقد أظهر حنكة في إدارة شئون الدولة التي انخفضت إيراداتها بشدة بعد اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، ففرض ضرائب إجبارية على مختلف الممتلكات بما فيها الوقف والخيرات، وعلى اليهود والنصارى وكافة الطبقات الشعبية.
إلا أن الإجراءات التي قام بها جلبت غضب الناس والمماليك عليه حيث فرض ضرائب باهظة وخفض الأجور مما أدى لحالة تذمر بين المماليك ولم يمنعهم من عزله إلا خوفهم من انعدام أجورهم بعد ذلك إذا عين أي سلطان اخر.
وقد أنفق هذه الأموال التي جمعها من الناس على المماليك الذين ساعدوه، ثم على شراء مماليك آخرين كان يثق بهم. وكذلك أنفق كثيرًا على الجيش، والإصلاحات والمباني العامة التي غمر بها القاهرة.
يقابلنا في طليعة ما بناه الغوري مجموعة معمارية على رأس تقاطع شارع الغورية بشارع الأزهر المدفن الذي لم يدفن فيه والخانقاه والمكتب والمقعد، ولها واجهتان رائعتان احداهما غربية مشرفة على شارع الغورية، والثانية بحرية مطلة على شارع الأزهر، وقد شيد السلطان هذه المجموعة فيما بين عامي 1503 و 1504م، ويقابل هذه المجموعة مسجد الغوري الذي شيده في عام 1504م على الطراز المتعامد.
بدأ السلطان العثماني “سليم الأول” بالتفكير في الإستيلاء على مصر، وإلحاقها بالدولة العثمانية، وأن يبدأ ببلاد الشام، وبالفعل جهز جيشًا كبيرًا في ربيع عام 1516م، ولم يتهيأ الغوري للخطر العثماني مبكرًا، إلا أنه فوجيء بالخطر العثماني يدق الأبواب. وقد خرج الغوري من القاهرة بجيش كبير، وترك “طومان باي الثاني” حاكمًا على مصر، والتقى جيش الغوري مع الجيش العثماني في معركة “مرج دابق” شمال حلب في عام 1016م، وقاتل المماليك ببسالة، وتقهقر جيش سليم الأول، لكن تفوق العثمانيين عددًا ومدفعية، ووقوع الخيانة في معسكر الغوري، أدى في نهاية المطاف إلى انتصار العثمانيين، وقتل قانصوه الغوري في المعركة.

تعليقات