كتب : هانى زكريا
يشير استقراء تاريخ البنوك في مصر إلى أنها بدأت نشاطها منذ أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما تأسس البنك المصري عام 1856م، وكان مركزه الرئيسي في لندن، حيث تركز نشاطه أساسًا في تمويل عمليات التجارة المتبادلة بين مصر وإنجلترا، كما افتتح فرع للبنك العثماني الإمبراطوري في مصر عام 1867م، وآخر لبنك الكنتوار الأهلي للخصم الباريسي في عام 1889م.
وسبقهما إنشاء فرعين لبنكين إيطاليين أحدهما بنك دي روما عام 1880م، وبنك الخصم والتوفير عام 1887م. ثم أنشئ بعد ذلك البنك الأهلي المصري عام 1898م، وحينئذ منحته الحكومة امتياز النقد المصري ثم بعد ذلك أنشئ البنك الزراعي في عام 1902م، ثم تلاه البنك المصري للأراضي في عام 1905م، وصولًا إلى افتتاح فرع للبنك الأهلي اليوناني على الأراضي المصرية عام 1906م.
لم تعرف مصر في تلك الحقبة البنوك المستقلة حيث كانت البنوك في مصر تعمل في إطار الملكية والإدارة الأجنبية إلى أن تأسس أول بنك مصري، وهو بنك مصر عام 1920م، بقيادة طلعت حرب. ولم تكتفِ مصر بطموح إنشاء بنك مصري مستقل، حيث بات حلم إنشاء بنك مركزي مصري طموحًا جديدًا في تاريخ النقد المصري، وقد تحقق ذلك لمصر بمقتضى القانون رقم 57 لسنة 1951م، حين أسند إلى البنك الأهلي المصري مهمة القيام بدور البنك المركزي.
وعلى إثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م،تم إصدار قانون تمصير البنوك رقم 22 لسنة 1957م، وأعقبه صدور قانون الائتمان المصري رقم 163 لسنة 1957م، والذي أعطى للبنك المركزي سلطات واسعة، كما أرسى قواعد الرقابة على البنوك والائتمان في مصر.
السوق المصرية لم تتجه نحو إقامة البنوك المصرية الوطنية إلا بعد 64 عامًا من الملكية والإدارة الأجنبية للبنوك في مصر، وكان ذلك لاعتبارات عديدة من أهمها أن النشاط الرئيسي في مصر حينئذ كان يقوم على الزراعة. وبالتالي كان المواطن المصري يفضل استثمار أمواله في امتلاك الأراضي الزراعية والمباني، بدلًا من الاتجاه نحو الاستثمار في الصناعة أو ممارسة نواحي التجارة؛ ومن ثم فإن شعور المواطن بأهمية البنوك لم يتنامى.
فكانت البنوك في مصر إما برؤس أموال أجنبية، أو كفروع لبنوك خارجية وفي هذه الفترة ارتبط سوق النقد في مصر بالأسواق الخارجية وخاصةً سوق لندن. وقد اهتمت معظم البنوك التي تأسست في مصر في بادئ الأمر بعمليات إقراض الحكومة، وعندما توقفت عمليات الاقتراض العام، ركزت نشاطها في تمويل الصادرات والواردات وفي مقدمتها محصول القطن، وكذلك في تلقي الودائع وتوظيفها في الداخل والخارج، معطية أولوية خاصة لمصالح الدول التي تنتمي إليها وكذلك للجاليات الأجنبية في مصر.
ومع حلول عام 1920م، باتت الحاجة لإنشاء مؤسسة مالية تكسر حدة الاحتكار الذي تمارسه البنوك الأجنبية على رأس الأولويات الوطنية. وعندما أنشئ بنك مصر بات هو قاطرة النمو والتنمية في مصر؛ وبذلك دخلت مصر في مرحلة جديدة في حياتها النقدية إذ عرف رأس المال الوطني مهمته في تمويل البنوك المصرية المتخصصة، في مجالات الإقراض الزراعي والصناعي. فأنشئ بنك التسليف الزراعي عام 1931م، ليحل محل البنك الزراعي، وتأسس البن الصناعي عام 1949م، كما تأسس بنك القاهرة عام 1952م،وتبعه بنك الجمهورية عام 1956م وذلك لمزاولة أعمال البنوك التجارية.
وفي نهاية عام 1960م، قبيل صدور قانون تأميم البنوك، بلغ عدد البنوك التجارية في مصر 26 بنكًا، منهم 2 اتخذ كلّ منهما شكل مؤسسة عامة، و14 شركة مساهمة، و8 فروع لبنوك في الخارج، وبنك واحد اتخذ شكل شركة توصية بالأسهم، وبنك آخر اتخذ شكل شركة توصية بسيطة، كانت تباشر نشاطها من خلال 236 وحدة مصرفية تركزت غالبيتها في عواصم المحافظات، وذلك إلى جانب كل من بنك التسليف الزراعي والبنك التعاوني والبنك الصناعي إضافةً إلى ثلاثة بنوك عقارية.


تعليقات
إرسال تعليق