الثورة العرابية (هوجة عرابي) / وطنى نيوز


 


كتبت أسماء صلاح نصر
قامت ثورة من أهم الثورات المصرية في التاريخ الحديث، والتي قَوَّة المصريين للمطالبه بحقوقهم، والوقوف ضد التحالف البريطاني، لمنع التدخل الاجنبي في مصر، وهذه الثورة هى (الثورة العرابية) والتي عرفت في تلك الفترة ب(هوجة عرابي)، قادها أحمد عرابي سنة
(1881 م - 1882 م )، ضد الخديوي توفيق والتدخل الأجنبي في مصر.
فكانت هذه الثورة مهمه بالنسبه للتاريخ الحديث، لكونها نقلت مصر من تحت حكم خلفاء محمد علي إلى الاحتلال البريطاني.
ولقد أقدمت على كتابة هذا المقال مُبينة فيه عن الأسباب التي جعلت عرابي يتأجج مشتعلاً فتيل غضبه، للوقوف ضد الخديوي، مُعلناً عن مطالبه، وجابراً الخديوي للمثول لطلباته، وتحقيقها رُغماً عنه. ومن بعد ذلك ساعرض تدريجيا أمور هذه الثورة وحركاتها، وإلى أي حد وصلت في تحركاتها، وهل نال المصريين على شيء من وراءها؟؟ وهل سترضى انجلترا وفرنسا في هذا الوضع؟؟ وهل سينجح عرابي في هذه الثورة التي جعلته يخرج فتيل غضبه مكتفياً بكل ما يحدث أمامه؟؟
هذا كله ما سأعرضه في هذا المقال…..
أما الأن فلابد أولاً من معرفة الأسباب التي أدت إلي نشوب هذه الحركة…..
- أسباب قيام الثوره العرابيه
لن تقوم أي ثورة هكذا من تلقاء نفسها، إلا إذا اجتمعت عدة أسباب، أدت إلي خروج القائمين بهذه الثورة عن شعورهم، لتحقيق العدالة لأنفسهم، مطالبين بوقف كل المساوئ، وإصلاحها.….. ومن هذه الأسباب التي أدت الى نشوب الثورة العرابية:
1- رفض القادة الأتراك لترقية الضباط المصريين الى الرتب العالية، مثلما فعلوا مع الضباط الجراكسة.
2- وكان أيضاً وجود عثمان رفقي باشا ناظر الجهادية أحد المتسببين الأوائل في تلك الحادثة، فهذا كان مما أدى إلي إشعال نيران غضب الضباط المصريين، خاصة كونه جركسي.
3- كما كان الضباط الشراكسه من ذوي الرتب العالية يحرضون المؤيدين لهم من ذوي الرتب الصغيرة، على عدم طاعة الضباط المصريين ذوي الرتب العالية.
فكانت هذه الأسباب كفيلة في إشعال النيران في وجه السلطة الحاكمة، فما كان من الضباط المصريين (بقيادة أحمد عرابي) إلا أن خرجوا متعللين من كل ما يحدث، مطالبين بحقوقهم.
-إشتعال نيران الثورة وبدأ حركتها
وبعد أن طفح الكيل من قِبَل الضباط المصريين، ورؤيتهم لكل هذه الامتيازات التي أعطيت لغيرهم من ضباط الجراكسه.
حتى بدأ فتيل الثورة يشتعل ويتأجج اكثر، وخاصة بظهور نجم ضابط الجيش أحمد عرابي، رافضاً لكل هذه الأمور التي ضيقت عليهم، ولم يعد في مقدورهم تحملها.
فما كان من الأميرالاي أحمد عرابي إلا أن اجتمع برفاقه في منزله، وذلك في 16 يناير 1881 م، لتصدي لناظر الجهادية عثمان رفقي؛ وتم الاتفاق في هذا الاجتماع على إختيار أحمد عرابي نائبا عنهم، فقام عرابي بدوره، وتقدم بكتابة عريضة للخديوي توفيق، يطالب فيها بعزل ناظر الجهاديه عثمان رفقي، ووقع عليها أحمد عرابي وكل من الاميرالاي (علي فهمي وعبد العال حلمي)، بعدها توجه عرابي في صباح 17 يناير إلى مقر نظارة الداخلية لتسليم العريضة، وطلب تقديمها إلى رياض باشا.
وبعد هذه العريضة اجتمع مجلس الوزراء في 31 يناير برئاسة الخديوي، وأمر رياض باشا بإلقاء القبض على أحمد عرابي، ومعه الاميرالاي عبدالعال حلمي وعلي فهمي، وتقديمهم للمحكمة العسكرية.
-خداع عرابي وحدوث واقعة قصر النيل ( 1 فبراير 1881 )
دعى وزير الحربية (رياض باشا) في (1 فبراير 1881 م) كل من عرابي وعبد العال حلمي وعلى فهمي الى قصر النيل، فظن عرابي أنه سيتم مناقشتهم حول أمر العريضة التي قدموها، لذا تقدم لقصر النيل ومعه الضابطين الآخرين، ولكن وبمجرد وصولهم حتى تم القبض عليهم و تجريدهم من أسلحتهم، وإيداعهم في قاعة السجن تمهيدا لمحاكمتهم.
فما أن وصل هذا الخبر إلى الآلاي الأول بقشلاق عابدين، حتى أمر البكباشي (محمد عبيد) بالتوجه على الفور لقصر النيل، لتحرير زملائهم، وبالفعل تقدم البكباشي محمد عبيد لتحرير زملائه، وما إن علم عثمان رفقي بذلك، حتى هرب على الفور من أحد نوافذ القصر، ثم جاء من بعده البكباشي محمد و خرج بصحبة عرابي، ومن قصر النيل توجهوا إلى ميدان عابدين متظاهرين ومطالبين بالاستجابة لمطالبهم، فاضطر الخديوي على الموافقة على مطالب عرابي مجبراً على ذلك؛ فقام بعزل عثمان رفقي وتعيين (محمود سامي البارودي) ناظرا للجهادية.
وقد نتج عن هذه الموافقة: إرتفاع شأن عرابي من أميرالاي إلى زعيم وطني مناهض للنفوذ الأجنبى.
فكانت واقعة عابدين هذه تعرف بـ (مظاهرة عابدين الأولى)، ولكن ما لبث بعدها بوقت ليس بطويل، أن قامت مظاهرة جديدة في عابدين عرفت بـ ( مظاهرة عابدين الثانية).
مظاهرة عابدين الثانيه (9 سبتمبر 1881 م)
والتي كان قد وصل الأمر فيها الى ذروتها، ليس من قبل الضباط المصريين فقط، بل من الشعب المصري أيضاً بكل طوائفه، وذلك بسبب سخطهم من سوء الأحوال الاقتصادية، ومعاملة رياض باشا القاسية لهم، كما أنه بالإضافة إلى ذلك قد ز أن د النمو الوعي القومي لديهم.
تقدم عرابي و معه الضباط والشعب الى قصر عابدين، لعرض مطالبهم على الخديوى، و بمجرد خروج الخديوي توفيق ومعه القنصل البريطاني والمراقب المالي البريطاني بالإضافة إلي حرسه، حتى أعلن عرابي عن مطالب الجيش والشعب، و كانت هذه المطالب عبارة عن:
1- عزل رياض باشا
2- إنشاء مجلس نواب على النسق الأوروبي.
3- زيادة عدد الجيش إلى 18 ألف جندي.
فما كان من الخديوي إلا أن رد على عرابي قائلا: "كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن أبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا".
فما كان إلا أن اشتعلت نيران عرابي أكثر ورد على الخديوي قائلا: "لقد خلقنا الله احرارا ولم يخلقنا تراثا او عقار فوالله الذي لا اله إلا هو لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم".
فما كان من الخديوي إلا أن استجاب لمطالب الأمه، فعزل رياض باشا من رئاسة الوزارة، وعهد إلى (شريف باشا) بتشكيل الوزارة.
-وزارة الثورة
و بعد النجاح الباهر الذي وصلت إليه وزارة الشريف باشا، مع وضع دستور للبلاد من قبل سامي البارودي، كانت كل هذه الأمور تعمل على أكمل وجه، حتى بدأت فرنسا وانجلترا بالتدخل في أمور مصر مرة أخرى، وأرسلت مذكرة للخديوي يعلنوا فيها عن مساندتهم له، فقبل الخديوي بتلك المذكرة ووقع عليها، عندها قدم شريف باشا إستقالته رفضاً لتلك المذكرة التي قبلها الخديوي من انجلترا و فرنسا.
و من ثم تشكلت حكومة جديدة برئاسة محمود سامي البارودي، وشغل عرابي منصب وزير الحربية، وعرفت هذه الوزارة باسم (وزارة الثورة)، لكونها حققت رضا الشعب والجيش.
كما أنه بالإضافة إلى أن عرابي أصبح وزير الحربية، بقى في منصبه ناظراً للجهادية في الأسكندريه، واضطر الخديوي للموافقه على بقاءه في منصبه بسبب اعلان حامية الاسكندريه انها لن تقبل ناظرا غير عرابي.
-هل استتبت الأمور وأخيراً لعرابي أم أنه مازال في صراعات متتالية؟!
لم تستتب الأمور لعرابي بعد، وذلك بسبب كثرة الأحداث السيئة المتتالية، والصراعات المتتالية من تتدخلات الإنجليز في مصر، ومن هذه الأحداث مذبحة الأسكندرية، وأيضاً تقديم محمود سامي البارودي استقالته؛ بسبب المؤامرة التي حدثت ضده وضد عرابي، من بعض ضباط الجراكسة، محاولين اغتيالهم، وذلك بعد أن رقى عرابي الضباط المصريين، مثلما فعل عثمان رفقي مع الضباط الجراكسة، وعندما تم اكتشاف هذه المؤامرة، تمت محاكمة هؤلاء الضباط، و تجريدهم من رتبهم في المحكمة العسكرية، إلا أن الخديوي رفض التصديق على هذا الأمر، بتحريض من قنصلي انجلترا وفرنسا، فغضب البارودي، وعرض الأمر على مجلس النظار، فقرروا تنفيذ هذا الأمر، و ضرورة خلع الخديوي ومحاكمته، إن ظل على دسائسه.
استغلت انجلترا وفرنسا ذلك الأمر، وتحججت بحماية الأجانب في مصر، وقدمت مذكرة في 25 مايو 1882 م إلى الاسكندريه، مضمونها:
1- إسقاط وزارة البارودي.
2- نفي عرابي إلى الخارج.
3- إبعاد علي فهمي وعبد العال حلمي إلى الأرياف.
ورغم رفض وزارة البارودي لهذه المذكرة، إلا أن الخديوي توفيق وافق عليها، فما كان من البارودي إلا الاستقالة.
-وكان للنهاية وزارة البارودي نتائج ومن هذه النتائج:
1- التفاف الشعب حول عرابي وتثبيته في منصبه كوزير للحربيه.
2- حوادث متتاليه في الاسكندريه
وهذه الحوادث أدت إلي إعلان إنجلترا تدخلها في مصر، وشككت في كون الحكومة الجديدة قادرة على حفظ الأمن في البلاد؟! وبذلك تكون خلقت لنفسها فرصة التحرش بالحكومة المصرية من جديد.
وبالفعل انتهزت فرصة تجديد قلاع الاسكندرية، فراسلت قائد حامية الاسكندريه بتهديد منها، لتوقيف هذا التجديد، إلى أنه لم ينصت لهذه التهديدات ولم يهتم لها، فقام الأسطول الانجليزي بضرب الاسكندريه وتدمير قلاعها في اليوم التالي، و تخريب أجزاء من أحياء الاسكندريه، وكان من نتيجة ذلك أن اضطرت المدينه لتسليم ورفع الأعلام البيضاء، واضطر أحمد عرابي في التحرك بقواته إلى كفر الدوار، لإعادة تنظيم جيشه من جديد.
ورغم تلك الاحداث الجُثام التي تقع على مصر، إلى أن الخديوي لم يتحرك لنجدة الاسكندرية، بل أصبح مساندا لبريطانيا، فأصبح تحت أوامر الانجليز، ولم يكتف بذلك فقط بل استقبلهم أيضاً في قصر الرمل بالاسكندريه، وليس ذلك فقط بل انه راسل عرابي، وأخبره بان يكف عن تجهيز استعدادته الحربية ضد الإنجليز، ويحمله أي ضرر يصيب الاسكندريه، وأمره بالمثول أمامه في قصر التين، ليأخذ تعاليمه.
-اجتماع عرابي بالجمعية الوطنية (يوليو 1882 م)
لم ينصاع عرابي لما قاله الخديوي، وبعث ببرقيات إلى جميع أنحاء البلاد، يتهم فيها الخديوي بالانحياز للانجليز، ويحذرهم من اتباع أوامره، وأرسل إلى (سامي باشا) وكيل نظارة الجهادية، يطلب منه عقد جمعية وطنية، ممثلة من أعيان البلاد وأمرائها وعلمائها للنظر في الموقف المتردى.
فاجتمع بهم عرابي في (غرة رمضان 1299 هـ / 17 يوليو 1882 م)، وكان عدد المجتمعين 400 عضو، وأجمعوا في هذه الجمعية على استمرار الاستعداد لمواجهة الإنجليز، ورفض قرارات الخديوي توفيق، من عزل عرابي عن منصبه، ووقف أوامر الخديوي ونظاره؛ لخروجه عن الشرع الحنيف والقانون المنيف.
-فكان رد فعل الخديوي على ذلك...
أنه قام بعزل عرابي من منصبه، وتعيين عمر لطفي محافظ الاسكندريه بدل منه. إلا أن عرابي لم يمتثل لأوامره واستمر في عمل الاستعدادات الحربية للمقاومه الانجليزيه.
ورغم انتصار عرابي في معركة كفر الدوار ضد الانجليز، و رغم كل المقاومات والاجتماعات التي قام بها ضد الانجليز والخديوي، إلا أن القوات البريطانية تمكنت من التقدم إلى القاهرة، وجعل حاميتها تستسلم، وتسلم القاهرة لهم، وبذلك يكون قد بدأ عهد جديد في مصر وهو الاحتلال البريطاني لمصر.
وإلي هنا ونقول فشلت ثورة عرابي في تحقيق الحرية والقومية التي كان يريدها، بل زاد في الأمر سوء أن جاءت إنجلترا بحاميتها و قوتها و احتلت مصر بنفسها( أي أنها لم تكتفي بتتدخلها في شؤون مصر فحسب من عن بعد بل أصرت على كونها في داخلها!).
محاكمة عرابي
وتمت محاكمة عرابي في (3 ديسمبر 1882 م)، وكان قد حكم عليه بالإعدام، إلى أنه تم تخفيف هذا الحكم إلي النفي مدى الحياة، إلى جزيرة سرنديب (سيلان) هو وزملائه من أمثال البارودي.
وبذلك تكون قد باءت الثورة العرابيهة بفشل حركتها، بعد محاولات عرابي المستميته في تحرير مصر من التدخل الأجنبي، إلى أنه كان يوجد من الاسباب الكافيه الاذاعه التي سببت فشلها( ولعرضنا لذلك المقال يمكننا البحث جيداً ومعرفة تلك الأسباب) وفي النهاية شاءت الأقدار أن تفشل تلك الحركة، وتقع مصر ذريعة تحت الاحتلال البريطاني.

 

تعليقات