ضريح سليمان باشا الفرنساوي / وطنى نيوز



كتبت مديحه الرشيدى
وُلد في ليون من أعمال فرنسا في سنة ١٧٨٧، وسُمِّي
يوسف سيف
وكان أبوه متوسط الحال صاحب طاحونة ورثها عن أبيه فلما بلغ يوسف أشده أراد والده أن يستعين به في أعماله، ولكن الغلام كان يشعر بأنه أرفع من ذلك المكان، فضلًا عن ميله الفطري إلى الخروج والجولان، فلم يستطع المواظبة فشق ذلك على أبيه، فتوعده إذا لم يثابر على العمل بأن يدخله في سلك الملاحة عقابًا له، فلم يكن ذلك إلا موجبًا لسروره، فأدخله في مهنة البحرية سنة ١٧٩٩ وهو لم يتم السنة الثالثة عشرة من عمره،
ولما شبَّت الحرب بين فرنسا والنمسا كان سيف في جملة الأسرى عند النمساويين، وبقي مغتربًا عامين حتى إذا كانت حملة نابليون الشهيرة على روسيا سنة ١٨٠٢ فكان سيف في جملة جندها، وأظهر في أثناء وقائعها الهائلة بسالة أوجبت التفات نابليون الخصوصي حتى أراد أن يقلده نيشان اللجيون دونور، فدعاه إليه بهذا الشأن فآنس منه استخفافًا فحنق عليه وحرمه من ذلك الشرف، على أنه ما لبث أن رُقِّي في الرتب العسكرية حتى بلغ رتبة كولونيل (أميرالاي) بعد رجوع تلك الحملة.
ثم كانت الوقائع المشهورة التي قضت على رجل فرنسا (نابليون) بالأسر والنفي، فقُضي على الكولونيل سيف بالخروج من الجندية والانقطاع إلى التجارة التماسًا للتعيش..
كان قليل الصبر على مثل ذلك، فأنِفت نفسه التجارة ولم يفلح فيها، وسمع في أثناء ذلك أن شاه العجم في حاجة إلى ضباط حاذقين في تدريب الجند فكتب إلى صديقه الكونت دي سيفور يلتمس كتاب توصية منه إلى الشاه، فنصح له الكونت أن يتوجه إلى محمد علي باشا بمصر..
فجاء مصر سنة ١٨١٩ ومعه كتاب توصية، فأحسن محمد علي باشا مقابلته وكلفه بالبحث في جهات السودان عن معادن فحم الحجر، ولكنه لم يعثر على شيء منه فعاد إلى القاهرة، واتفق وصوله إليها يوم الاحتفال بغلبة الجنود المصرية على الوهابية.
وكان محمد علي باشا لحسن نظره واهتمامه في تأييد دولته ما زال يفكر في سبيل يوسع به ملكه، وتوسيع الملك لا يكون إلا بتعزيز الجند، والجند لا يقوم إلا بالنظام، وكان قد شاهد الجنود الفرنساوية بمصر وأعجبه نظامها، وهو النظام الذي وضعه بونابرت وتمكن به من التغلب على معظم دول الأرض، وكانت الجنود المصرية إلى ذلك العهد لا تزال على النمط القديم.
كانوا عبارة عن فرق أو وجاقات وفيهم الأرناءوط والإنكشارية والمغاربة ونحوهم، ولكل من هذه الفرق قائد، فإذا نزلوا ساحة الوغى ركب كلٌّ جواده واستلَّ حسامه أو بندقيته أو رمحه وهجم على ما يتراءى له.
فرأى محمد علي باشا رحمه الله أن يجعل جنده نظاميًّا، ففاوض الكولونيل سيف بالأمر فرغَّبه فيه، فعهد إليه تأليف الجند على هذه الصورة وتدريبه على الحركات العسكرية، فشق ذلك على جماعة الأرناءوط وغيرهم؛ لأن ذلك النظام في اعتبارهم بدعة،
فلم يقبلوا الإذعان ونفروا وتمردوا وتجمهروا حول القلعة يطلبون الرفق بهم، فرأى محمد علي أن يعاملهم بالحسنى، فأجاب ملتمسهم وأغضى عن تعليمهم، ولكنه رأى أن يُدخل ذلك النظام بين جماعة الوطنيين لقربهم من الإذعان، فأنشأ مدرسة حربية في الخانكاه قرب المطرية تُعلَّم فيها اللغات والحركات العسكرية، وجعل سراي مراد بك بالجيزة مدرسة للفرسان، وأنشأ مدرسة للطوبجية، ثم أنشأ في القاهرة معامل لسكب المدافع واصطناع سائر حاجيات الجند، وعهد بذلك كله إلى الكولونيل سيف وكان قد أسلم وسمى نفسه سليمان، فصار يُعرف باسم سليمان بك الفرنساوي، وأحبه المصريون وأذعنوا له، فنظم جندًا نظاميًّا بلغ عدده ٢٥٠٠٠ جندي...
سنة ١٨٢١ أنفذ الباب العالي إلى محمد علي باشا أن يجند جيشًا لمحاربة المورة، فأرسل عمارة بقيادة ابنه إبراهيم باشا سنة ١٨٢١ وكان سليمان بك من جملة أبطالها..
ثم كانت الحوادث التي قضت بتجريد الجنود المصرية على عبد الله باشا والي عكا سنة ١٧٣١ بقيادة المرحوم إبراهيم باشا، وفوَّض قيادة الطوبجية إلى سليمان بك، فسارت الحملة إلى الشام في حرب عكا ثم فتحها عنوق فقبض إبراهيم باشا على واليها عبد الله باشا وأرسله إلى الإسكندرية، وأوغل في الشام وسليمان بك ساعده الأيمن في كل المواقع الكبيرة، وكان قائدًا لستة آلاف جندي..
أعجب إبراهيم باشا بشجاعة هذا الرجل ومهارته في الحركات العسكرية، ورقاه إلى رتبة باشا، وكان في عزم المصريين البقاء على الزحف لو لم تتداخل الدول وتقرر الصلح، فعادت الجنود المصرية إلى السكينة، ولكنها ما لبثت أن عادت إلى الحرب لهياج حدث في بيت المقدس، فساروا ومعهم سليمان باشا فأخمدوا الفتنة..
أصدر محمد علي باشا أمره برجوع سليمان باشا إلى مصر، ثم عادت الحرب في سوريا فعاد إليها إبراهيم باشا، وما زال يحارب بسيف المصريين حتى اقتضت السياسة الأوربية انسحاب الجنود المصرية من سوريا، فرجع سليمان باشا معها إلى مصر وتعيَّن رئيسًا عامًّا للجيش المصري..
ولما شُفي إبراهيم باشا من مرضه زار فرنسا سافر معه، فسرَّته تلك الرحلة لأنه تمكن من تفقد الثكنات العسكرية في أكبر عواصم أوروبا، وملاحظة الحركات الحربية، ثم عاد إلى باريس وإبراهيم باشا لا يزال في لندرة، ومن باريس إلى بلجيكا وهولندا، ثم عاد إلى ليون مسقط رأسه فأقام فيها مدة بين أهله وذويه، ثم رجع إلى الإسكندرية فمصر ورفع إلى محمد علي باشا تقريرًا بما رآه ولاحظه في أثناء سفره، وعاد إلى الاهتمام في تدريب الجند، وما زال عاملًا مجتهدًا حتى تُوفِّي إبراهيم باشا، فصار الأمر إلى عباس باشا الأول، ثم إلى سعيد باشا، فتوفي على عهده في ١١ مارس سنة ١٨٦٠.

تعليقات