بقلم . وجدان عوض متولي
تطبيع العلاقات هو مصطلح سياسي يشير الى جعل العلاقات طبيعية بعد فترة من التوتر اوالقطيعة لأي سبب كان . حيث تعود العلاقة طبيعية وكأن لم يكن هناك خلافات أو قطيعة سابقة .
أشكال التطبيع:-
تتنوع أشكال
التطبيع مثل البدء بمشاريع و اتفاقيات ومبادرات مشتركة بين الطرفين وإبراز
الجهود الثقافية والفنية والعلمية والإنسانية بشكل متبادل.
وعندما نذكر كلمة تطبيع يتبادر الى أذهاننا الكيان الصهيوني والصراع العربي الإسرائيلي ،
لا شك أن الصراع العربي الإسرائيلي من أطول وأعقد الصراعات في العالم نظرا لأبعاده الإقليمية وخلفياته الدينية والتاريخية المتشابكة، وبسبب طبيعة هذا الصراع على الوجود الدائر بين طرفين متناقضين في الواقع والأهداف وفي المنطلقات فإن هذا الصراع اتخذ بالنسبة للعرب أبعادا دفاعية محضة منذ بداية الإستيطان الأولى وسعي الصهيونية إلى تجميع وتكتيل اليهود في فلسطين خاصة بعد احتلال الجزء الأكبر من مساحتها وتشريد المئات بل الآلاف من الفلسطينيين خارج ارضها .
ولقد أظهرت الحرب العربية الاسرائيلية الأولى عام 1948 عجز الدول العربية عن توحيد قدراتها العسكرية والسياسية لإفشال الأهداف الإسرائيلية، هذا بالإضافة إلى عجز الدول العربية أيضا فى التعامل مع استراتيجيات القوى الكبرى التي ساندت دولة إسرائيل .
إن طبيعة هذا الصراع تختلف عن غيرها من الصراعات بين الدول فهو ليس صراع على الحدود، أو اختلاف على النفوذ بل إنه صراع على الوجود بكل ما في الكلمة من معنى .
تاريخ ونشأة الصراع العربي الإسرائيلي:-
منطق
الصراع يعد الى المشروع الصهيوني الذي شهد بدايته مع استخدام مصطلح
الصهيونية في القرن التاسع عشر كدعوة للعودة إلى أرض صهيون في فلسطين .
ومن أبرز ما يروجه اليهود الصهاينة ما ورد ذكره في " العهد القديم " من
فقرات تحدد لهم نطاق ملكهم كالقول - في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا
قائلا- " لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات "
واستنادا إلى التراث الديني والتوراتي والتلمودي يدعي الصهاينة ان لهم
الحق التاريخي بالعودة إلى فلسطين وإعادة بناء هيكل سليمان بعد أن غادر
العبرانيين من مصر حوالي 1200 سنة قبل الميلاد ، و غزو فلسطين التي كانت
أرضا للكنعانيين منذ سنة 3000 قبل الميلاد ، وأقاموا مملكتهم فيها التي لم
تدم قرن من الزمان قبل انقسامها إلى مملكتي (إسرائيل ويهوذا )عام 932 قبل
الميلاد . لتزول الاولى (اسرائيل )على يد الآشوريين عام 720 قبل الميلاد ،
وتزول الثانية (يهوذا) على يد الكلدانيين بقيادة نبوخذ نصر بعد الأولى
بحوالي مائتي سنة.
هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية:-
ونهدف من هذه النبذة التاريخية أن نوضح استناد المشروع الصهيوني إلى ادعاء أن الشعب اليهودي هو شعب مقدس وسامي يتميز عن البشرية وأنه شعب الله المختار إذ يعتبر مؤسس الحركة الصهيونية " تيودور هرتزل " في كتابه "الدولة اليهودية " أن أصل اليهود يختلف عن سائر الاصول البشرية و انهم يشكلون شعبا واحداً و جنسا متميزا.
ومن هنا يجب ان نتجنب الخلط بين بني اسرائيل الذين ورد ذكرهم في الكتب المقدسة والقرآن الكريم و بين الاسرائيليين المعروفين اليوم.
فاليهود الذين هاجروا إلى فلسطين مدفوعين بالنزعة الصهيونية خلال الجزء
الأخير من القرن التاسع عشر للميلاد و خلال فترة الإنتداب البريطاني او بعد
تأسيس دولة إسرائيل ليسوا من نسل يهود العهد القديم ، فالتاريخ يؤكد أن
اليهود المنتمين لفلسطين في الأصل يشكلون اقليه متواضعه جدا قد تكون اندثرت
في يومنا هذا ولم يعد لهم اي وجود، كما اكد الدكتور جمال حمدان في كتابه
"اليهود أنثروبولوجيا "، وأن اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين في عصرنا
هذا هم مما اعتنقوا اليهودية من أجناس وأعراق مختلفة ومناطق عديدة في
العالم ولا تربطهم باليهود الأصليين أي رابطة عرقية .
إن مجمل هذه المزاعم تتعارض مع الوقائع التاريخية والانسانية والقانونية، إذ لم تعرف فلسطين قبل " وعد بلفور " شيء يسمى بالشعب اليهودي بل إن الدراسات الانثروبولوجية أثبتت أن اليهود بمجملهم لا يشكلون أمة واحدة، هذا فضلا عن تعارض المزاعم الصهيونية مع قواعد القانون الدولي وجوهره الرافض للاحتلال.
الصهيونية صراع وجودي احلالى:-
وتخوض الصهيونية المعاصرة صراعها في فلسطين على خلفية أنه صراع وجودي ليس بهدف تحقيق مكاسب ومنافع ظرفية ، بل يقاتل الصهيوني الذي يستوطن الارض ويستأصل ابنائها ويغرس نفسه بدلاً منهم ، فالصهيونية لا تكتفي باخضاع السكان واستغلالهم كما يفعل أي احتلال أو استعمار بل تريد الغاءهم وتطمع فى ابادتهم والحلول مكانهم، وبذلك فإن الصهيونية تعتمد على خاصية "الإحلالية "عبر تطبيقها استنادا على آليات التهميش والتغييب والإلغاء بحق أصحاب الأرض الأصليين.
وقبل أن نؤيد التطبيع أو نرفضه فلنقرأ كلام الله في كتابه العزيز والذي لا يعلو علي كلامه أي رأي أو كلام .
ذكرهم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بعدة صفات منها :-
- شدة العداوة للمؤمنين.
(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ ) (المائدة - ٨٢)
(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) ( آل عمران- ١١٨)
-تحريف التوراة وتزييف كلام الله والافتراء عليه.
(أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ( البقرة -٧٥ )
-نشر الفتنة والفساد .
(كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ). ( المائدة -٦٤)
-الغيرة والحسد وعدم حب الخير للمؤمنين .
(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ ) ( آل عمران -١٢٠)
-نقض المواثيق والعهود .
(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) (البقرة -١٠٠)
(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (المائدة -١٣ )
-قسوة القلب .
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ( البقرة -٧٤)
-وحدتهم ظاهرية وحقيقتهم اختلاف .
(بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ) (الحشر -١٤)
-نبهنا الله سبحانه وتعالى إلى أن الصراع مع اليهود صراع مستمر وأن عداوتهم دائمة
(وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة - ٢١٧)
كما اشار سبحانه وتعالي إلي مرحلتين من غلو بني اسرائيل في الارض يرافقهما فساد كبير .
(وَقَضَيْنَا إِلَىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مّفْعُولاً ثُمّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) ( الإسراء - من ٤ الي ٦)
وسنتكلم في المقال القادم عن خصائص هذا الصراع ...

تعليقات
إرسال تعليق