الحملة الفرنسية ودخولها مصر سنة 1798 م / وطنى نيوز

 


كتبت : أسماء صلاح نصر
 
استقبلت مصر كثير من الحملات والغزوات سواء كانت اوروبيه او اسلاميه أو غيرها من الحملات التي كانت تطمح في السيطرة على مصر، بسبب موقعها الإستراتيجي المتميز، والذي يطل على قارات العالم الثلاث. 
 
ومن هذه الحملات الأوروبية التي جاءت إلى مصر، وكانت تطمح في أن تكون مصر قاعدة لهم لإقامة إمبراطورية لهم في الشرق هى "فرنسا".
 
جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر سنة 1798 م لتسبب هزه عنيفه للمصريين سواء كان ذلك على الأثر الداخلي أم الخارجي، وكانت قد أثرت في الشعب المصري كثيراً، سواء كان ذلك من الناحية العملية نتيجة للعلماء والسفراء الذين أحضرهم نابليون معه، أو من الناحية الإجتماعيه والسياسيه نتيجة لكثير من الأفكار التي أدخلها الفرنسيون إلى مصر خلال الثلاثة أعوام التي قضوها بمصر. 
 
لذلك تعالوا معنا لنتعرف على تلك الحمله التي سببت هزة عنيفه للمصريين عامه لتغير فيهم الكثير مع إظهار مدى قوميتهم ودفاعهم عن وطنهم العزيز مصر.
 
ولكن قبل ان نعرض عن توجه الحملة الفرنسية إلى مصر واستلائهم عليها، يجب علينا أولاً أن نعرف ما هي الأسباب التي دعت فرنسا لتوجه بحملة إلي مصر.
-أسباب الحملة الفرنسية على مصر.
 
يختلف المؤرخين حول حقيقة سبب توجه الحملة إلى مصر فمنهم من يقول أن حكومة الإدارة في فرنسا رغبة في إبعاد نابليون بونابرت عن فرنسا، وخاصة بعد ازيادد نفوذه وقضاءه على التحالفات التي قامت ضد فرنسا، لذلك وجدت الحكومة أن إبعاده أفضل؛ لأنه بعد كل هذه الإنتصارات لن يهدأ، وسيطمح في الحصول على المزيد والمزيد من المراتب العُليا، لذلك قررت الحكومة إرساله على قيادة جيش كبير للإستيلاء على مصر وتكوين إمبراطورية فرنسية في الشرق قاعدتها مصر.
 
ولكن حتى وإن كان هذا سبب من الأسباب، لابد وأن يكون هناك أسباب مقنعه عميقه تجيز لحكومة الجمهورية إخراج جيش الشرق الكبير مع صفوف قوادها وعلمائها إلى مصر
 
-كانت من أسباب الحملة الفرنسية على مصر:-
1- رغبة فرنسا في تكوين إمبراطورية فرنسية في الشرق (قاعدتها مصر)، لتعويض فرنسا عن فقدان مستعمراتها في الهند بسبب حرب السنوات السبع عام 1763 ميلادياً، حيث وجدت مصر هي البديل المثالي للهند.
 
2- كان بونابرت من القيادات التي أوغرت للحكومة النظر إلى مصر، على إعتبار أن احتلالها سيمنح فرنسا ميزه استراتيجيه في حروبها ضد التحالف الأوروبي الثاني ضدها بقياده بريطانيا "والتي كانت تعد العمود الفقري لأي تحالف ضد فرنسا".
 
وبذلك تكون فرنسا رغبة في ضرب إنجلترا بطريقه غير مباشره عن طريق مستعمراتها في الهند، بدل من ضربها بطريقة مباشرة عن طريق سواحلها البريطانية.
 
3- كان من أسباب قدوم الحملة أيضاً أن مصر كانت تتمتع بموقع استراتيجي وثروة إقتصادية، مما أدى إلى لفت الأنظار لها، خاصة بعد ظهور فكرة وصل البحرين الأبيض والأحمر"لتحقيق الإتصال السريع بين الشرق والغرب".
4-كما أنه كان لتقارير القناصل وكتابات الرحالة الفرنسيين دور واضح في لفت الأنظار تجاه مصر، فألحوا على الحكومة الفرنسية بضرورة إمكانية إحتلالها لاستغلال مواردها.
5- كما أن انتشار الإضطرابات داخل مصر والمنازعات التي كانت بين المماليك والأوجاقات العثمانية بعضهم البعض، كان ذلك أدى إلى نشوب الفوضى وعدم استتباب الأمن والأحوال الداخلية والاقتصادية، مما أدى إلى انتشار المجاعات والأوبئة، فكان كل ذلك مما استخدمته فرنسا لدخولها مصر وحجتها بتخليصهم مما هم عليه.
 
كل هذه الأسباب التي وجدتها فرنسا فرصة سانحه لها لتحقيق مصالحها وأهدافها ومطامعها، مما أدى إلى تفكيرها بعمق في غزو مصر، وما إن وافقت الحملة على طلب نابليون لغزو مصر، حتى قاموا بإرسال جيش الشرق الكبير بقيادة نابليون في سرية تامه، وذلك حتى لا تكتشف إنجلترا ذلك الأمر، عندها ستضطر فرنسا على مواجهة الأسطول البريطاني القوي مقارنة بإسطولها الضعيف، بالإضافة إلي توهم الحكومه البريطانيه أنها مصممه على غزوها.
ورغم كل تلك الأسباب التي ذكرناها عن توجهه الحملة إلى مصر، إلا أن هذه الفكرة كانت والدة في فترات عديدة في فرنسا وبريطانيا، ففي ثمانينات القرن التاسع عشر كانت بعض القوى السياسية الفرنسية تدرس جدوى مثل هذا المشروع، ولكن العزيمة السياسية والتمويل وقف في تحقيق هذا الحلم الإستعمارى.
و الدليل على أن مشروع الحملة الفرنسية لم يكن وليد الظروف الطارئة، بل يرجع إلى رغبة الفرنسيين المسلحة في إنشاء مستعمره جديده في الشرق منذ أن أسفرت حروبهم الاستعمارية والقارية الطويلة في عهد ملوكهم العظام (لويس الرابع عشر و لويس الخامس عشر).
وبذلك تكون فرنسا هي أولى الدول الأوروبية التي حاولت فرض التقسيم على ممتلكات الدولة العثمانية عن طريق القوة.
- خروج الحمله وتحركاتها (خط سير الحمله)
تحت ستار من الكتمان، غادر بونابرت باريس في الساعات الأولى من صباح يوم 4 مايو 1798 ميلادياً إلى طولون، فوصلها في 9 مايو. ولكن لم يكن قد تم بعد إنزال كافة الجند والمهمات إلى سفن الأسطول والناقلات بقيادة أمير البحر برويس(Brueys)، واستمر هذا العمل حتى 12 مايو. ومع ذلك لم يستطيع الأسطول الخروج إلى عرض البحر بسبب زوبعه شديدة، حتى كان مساء 18 مايو، وفي ظهر اليوم التالي كانت الحملة قد خرجت من الميناء، واتخذ بونابرت مكانه في سفينة الاميرالية (السفينه أوريان)، و في أثناء السير انضمت إلى الحملة الأقسام الأخرى المعدة للسفر.
استولت الحملة على مالطة (والتي كان قد ارسل أحد قناصلتها لبونابرت وطلب منه الإستيلاء عليها)، ومن ثم غادر نابليون من مالطة مع الحمله في 19 يونيه، بعد إدماج مالطة مع فرنسا إدماج كلي.
ومع صبيحة 19 يونيه تحركت الحملة من مالطة ووجهتها الاسكندريه، إلا أن الحمله لم تتبع في سيرها الطريق المستقيم إلى الأسكندرية، بل حولت اتجاهها للإفلات من أسطول الاعداء إذا تعقبها الإنجليز.
وكان بمجرد أن نما إلي علم الأسطول البريطاني إقلاع الحملة، بدأت مجهوداته للبحث عنها في المتوسط سريعا لتدميرها، فعمد الأسطول الفرنسي على تفادي الأسطول البريطاني، وذلك عن طريق اختياره لطريقين مختلفين لسير الحملة (وذلك ما سنعرضه في وقته).
أبحرت الحمله صوب جزيرة كريت (كريد) وفي 25 يونيه شاهد الجندي جبال الجزيرة المغطاة بالثلوج، وفي مياه كريد علم نابليون أن الأسطول الإنجليزي بقيادة أمير البحر(نلسن) يجد في أثره، وكان قد وصل الأسطول الإنجليزي إلى الإسكندرية قبل الحملة الفرنسية، فتكلم مع عمر مكرم وأخبره بأن يسلمه العماره الفرنسية، إلا أن عمر مكرم ظن أنه يقوم بخداعه، لذلك غضب عليه، وأخبره بعدم وجود أي عماره فرنسية، وأنه لن يسمح له بدخول مصر، و سيتصدى للفرنسيين إن كانت في قدومها اليهم، عندها غضب نلسن وأخبر عمر مكرم أنه ليس كفئ للتصدي لهم و أنه سيندم على ذلك، ثم رحل عن الاسكندريه مجد في البحث عن الحملة الفرنسية.
تمكن بونابرت من احتلال الأسكندريه ليلة 2 يوليه 1798 م ، بعد مقاومه من جانب اهلها وحاكمها محمد كريم، وفي مساء 3 يوليه بدأ زحف الحمله إلى القاهرة من طريقين يلتقيان فيه عند الرحمانية على النيل.
-الزخف إلي القاهرة:-
كانت الخطوة التالية الزحف إلى القاهرة، فقام بونابرت بإرسال (القائد دوجا) ليستولى على رشيد، وإعداد حمله نيلية تسير في فرع رشيد لمقابلة قوات الجيش الزاحف برا، عند الرحمانية، كما أرسل في الوقت نفسه (الضابط بري) وهو من الضباط البحريين، بأسطول صغير من المراكب الحقيقه إلى مصب النيل للدخول في النهر عند استلاء (دوجا) على رشيد.
و أمام الجيش فقد زحف إلى القاهرة بالطريق الصحراوي، بدلاً من السير بمجازاة فرع رشيد، بدعوى أن هذا الطريق الأخير كان اطول.
وكانت مراحل تقدم الجيش: الاسكندريه، دمنهور، الرحمانية، شبراخيت، منية سلامة، كوم شريك، علقام، أبو نشابه، وردان(Elrahoni)، ثم أم دينار على بعد 15 ميلا شمالي بلدة الجيزة.
وكان طريق هذه الحملة شاقا وصعبا (أي أنه لم يكن نزهة عسكرية فحسب)، حيث لقى الجنود ألوانا من التعب والجوع والعطش ولاسيما بعد أن قام الأهالي بإخفاء الجمال، وردم الأبار أو إتلافها بتغوير مياهها، ولم يكن في تلك الجهات مياه سوى مياه الأبار.
وبذلك رأوا أن الصورة التي وصفها لهم القناصل والرحالة لم تكن صادقه، وظهرت لدى بعض الجنود الفرنسين روح الإستياء ولاسيما بعد موت أعداد كبيرة منهم عطشاً.
وقد حدثت أول معركه في القاهره بين الفرنسيين والمماليك والتي عرفت بمعركة إمبابة أو الأهرام والذي انتصر فيها بونابرت على مراد بك، مما أدى الى فرار المماليك إلى الصعيد فقام بونابرت بتتبع أثرهم هو وجنوده.
-سياسه نابليون بونابرت:-
ما إن دخل نابليون القاهرة حتى أخد في تنظيم حكومة فتوحاته الجديدة، وكان يبني التنظيم الجديد على أساس إستمالة المصريين والتفاهم معهم، وإشراكهم اشتراكاً محدودا في الحكم، على إعتبار أن ذلك إنما هو في الواقع من خير الوسائل التي تكفل توطيد سلطاته و سلطات فرنسا في مصر.
وقد أعد نابليون على ظهر السفينة أوريان في 2 يوليو 1798 م (يوم 18محرم 1213 هـ)، قبل نزول الحملة، منشوره الشهير باللغه العربيه، فأمن أهل البلاد على أزواجهم وأعراضهم وأموالهم وشعائر دينهم، وأنه يقدس الدين الإسلامي مثلهم تماما ولن يجبرهم على أي شيء، وأخبرهم أنه ما جاء إلا ليخلصهم من طغي المماليك عليهم.
وعلى العموم وعد بونابرت بالبقاء على المشايخ والقضاة والأئمة في وظائفهم و أعمالهم، كما وعد أيضاً باحترام شعور أهالي البلاد وعاداتهم الدينية وعقيدتهم الأسلامية. وعند دخوله القاهره، شرع في تنظيم الإداره الأهليه، فكانت اهم القرارات التي اصدرها في هذا الصدد، تلك التي تناولت تشكيل ديوان لحكومة القاهرة 25( يوليو)، والدواوين في المديريات، إلى جانب الحاكم الفرنسي.
وبذلك تكون الحملة قد برزت أو غرست بذور النهضة التي إزدهرت فيما بعد ووضعت البلاد على أعتاب العصر الحديث؛ خاصة بعد ظهور الوجه الحقيقي لتلك الحملة بعد قطع الصلة بينها وبين فرنسا بسبب إنجلترا، فبدأت تنهب في خيرات مصر وتعاملهم معاملة المحتلين، فبدأت روح القومية تدب فيهم من جديد لدفاع عن وطنهم الأم مصر. بالإضافة إلي ذلك فقد أيقظت في المصريين روحاً جديده من العلم والثقافة برغم من أنها لم تمكث في مصر سوا ثلاثة سنين. كما ان هذه الحمله أيضاً بينة مدى الروح الدينيه والوطنيه التي لدي المصريين، ومن ذلك حبهم للجامع الأزهر ودفاعهم عنه (وذلك أثناء ثورة القاهرة الأولى والثانية التان قامتا رفضاً للوجود الفرنسي في مصر) والذي يجدونه الروح الديني عندهم.
وبذلك تكون هذه هى الحمله الفرنسية والتي جاءت إلى مصر وجعلتهم يفيقوا من عالم الجهل والضياع، إلي النور والعلم والثقافة. فكانت بمثابة هزة عنيفة للمصريين ليعودوا إلي رشدهم مرة أخرى.

تعليقات