إعداد / محمــــد الدكــــرورى
ونكمل الجزء الثانى مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الصحابة هم خير القرون، وهم صفوة هذه الأمة وأفضل هذه الأمة بعد نبيها الكريم محمد صلى الله عليه وسلم،ويجب علينا أن نتولاهم ونحبهم ونترضى عنهم وننزلهم منازلهم ، فإن محبتهم واجبة على كل مسلم، وإن حبهم دين وإيمان وقربى إلى الرحمن، وبغضهم هو كفر وطغيان، فهم حملة هذا الدين، فالطعن فيهم طعن في الدين كله لأنه وصلنا عن طريقهم بعد أن تلقوه غضا طريا عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، مشافهة ونقلوه لنا بكل أمانة وإخلاص ونشروا الدين في كافة ربوع الأرض في أقل من ربع قرن وفتح الله تعالى، على أيديهم بلاد الدنيا فدخل الناس في دين الله أفواجا، والصحابي هو من لقي النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مسلما ومات على ذلك، ومع الصحابى عبد الله ذو البجادين.
وقد وقفنا عندما قال ابن الأدرع : كنت أحرس النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ذات ليلة، فخرج لبعض حاجته، قال: فرآني، فأخذ بيدي، فانطلقنا فمررنا على رجل يصلي يجهر بالقرآن. فقلت: عسى أن يكون مرائيا، فقال النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم " كلا إنه أواب " قال: فنظرت، فإذا هو عبد الله ذو البجادين، وقد جاء في تاريخ المدينة لابن شبة لما توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمر أن يدفن عند عثمان بن مظعون، فرغب الناس في البقيع، وقطعوا الشجر، واختارت كل قبيلة ناحية فمن هناك عرفت كل قبيلة مقابرها وكان إبراهيم، في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي حفر له على قارعة الطريق التي بين زقاق عبد الدار التي باب دارهم فيها، وبين بقيع الغرقد الذي يتدافن فيه بنو هاشم.
وقد كفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل في قبره ولم ينزل في قبر أحد قط إلا في خمسة قبور، منها قبور ثلاث نسوة، وقبرا رجلين، منها قبر بمكة، وأربعة بالمدينة، قبر خديجة زوجته فى مكه، وقبر عبد الله المزني فى المدينه، الذي يقال له: عبد الله ذو البجادين، وقبر أم رومان أم عائشة بنت أبي بكر، وقبر فاطمة بنت أسد بن هاشم أم الإمام علي بن أبى طالب وقد كان النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، يناديها بأمه الثانيه، فأما ذو البجادين، فقد قيل عنه فى روايه، بإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما أقبل مهاجرا إلى المدينة وسلك ثنية الغابر وعرت عليه الطريق وغلظت، فأبصره ذو البجادين فقال لأبيه: دعني أدلهم على الطريق، فأبى، ونزع ثيابه فتركه عريانا، فاتخذ عبد الله بجادا من شعر فطرحه على عورته.
ثم عدا نحوهم فأخذ بزمام راحلة رسول الله، صلى الله عليه وسلم،,عبد الله ذو البِجادين المزني، هو عبد الله بن عبد نهم، وهو عم عبد الله بن مغفل، وكان اسمه عبد الله بن عبد نهم بن عفيف بن أسيحم بن ربيعة بن عدي بن ثعلبة بن ذُؤيب بن سعد بن عداء بن عثمان بن مُزينة، وكانت أمه هى السيده جَهمة بنت الحارث بن اليقظان الهمداني، وكانت أمها من بنى مملكان بن قصى، إخوة خزاعة، وفى روايه عن محمد بن كعب القرظي أن عبد الله ذا البجادين كان امرأ من مزينة فوقع في قلبه حب رسول الله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وحب الإيمان، فتوجه إلى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فذهبت أمه إلى قومها فقالت: إن عبد الله قد توجه نحو محمد، فاتبعوه فردوه، فقالت أمهُ: خذوا ثيابه فإنه أشد الناسِ حياء.
وإنكم إن أخذتم ثيابه لم يبرح، فأخذوا ثيابه وجردوه فقعد في البيت فأبى أن يأكل ويشرب حتى يلحق بمحمد، فلما رأته أمه لا يأكل ولا يشرب أتت قومها فأخبرتهم أنه قد حلف ألا يأكل ويشرب حتى يلحق بمحمد، فأعطوه ثيابه فإني أخاف أن يموت فأبوا، فأخذت بِجادها فقطعته قطعتين ثم زرَّرت أحدهما فأزرته ووضعت الآخر على رأسه وقالت: اذهب، فذهب ترفعه أرض وتخفضه أخرى حتى قَدم المدينة فقرأ القرآن وفقه في الدين، فكان يأوي هو وأصحابه إلى ظل بيت امرأة من الأنصار تصنع لهم طعامهم وتهيئ لهم أمرهم: فقال له أصحابه ذات يوم لو تزوجت فلانه؟ فبلغ ذلك المرأة فقالت: ما لكم هجيرى إلا ذكري، لتمسكن عن ذكرى أو لا يؤويكم ظل بيتي، فبلغ ذلك أبا بكر الصديق فأتاها فقال: يا فلانة.
ألم يبلغني أن عبد الله خطبك؟ فتزوجيه فإنه في حسب من قومه وقد قرأ القرآن وفَقه في الدين، وأتاها عمر بن الخطاب، رضى الله عنهم أجمعين، فقال لها مثل ذلك، فبلغ ذاك النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكان عبد الله إذا طلعت الشمس قام يصلي ما شاء الله أن يصلى ثم يمر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيسلم عليه ثم يذهب إلى رحله، فصلى ذات يوم فمر بالنبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا عبد الله، ألم يبلغني أنك تذكر فلانةَ؟" قال: بلى، قال: "فإني قد زوجتكها"، فأتى أصحابه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد زوجنيها، فجاء نسوة من الأنصار فذهبن بها فهيأنها وصنعنها وصنعن لها بُردة وصنعن لها وسادة من أدم وقدحا وشيئا من طعام.
فزففنها عشاء، فقام يصلى فلم يعرض لها حتى أَذَّن بلال بالفجر، فلما أَذن بلال ذهب النسوة إلى أزواجهن فقلن: والله ما لعبد الله فيها من حاجة، ما عرض لها ولا أرادها ولا قربها، فصلى عبد الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلاة الفجر فلما طلعت الشمس قام يصلي نحوا مما كان يصلي، فمر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فسلم عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما لك فى أهلك حاجه ؟ " قال: بلى، رأيت نعمة من نعم الله، امرأة جميلة وفراشا وطعاما فلم أجد شيئا أتقرّب به إلى الله إِلا سلاَحي، ولم أكن لأوثر بسلاَحي على الله ورسوله أحدا، فلم أجد إلا أن أصلي وهذا وجهي إلى أَههلى يا رسول الله، فذهب إلى أهله فَأَصاب منها فتلقت بجارية، أى حملت ببنت، فأصابته جراحه يوم خيبر.
فأوصى إني لم أكن أعطيت امرأتي شيئا، فأعطوها من نصيبي من خيبر، فمات، قال: فشبت الجاريه، وجاء بنو عمه يخاصمون أمرأته فى ابنته، فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، للعمومه، فقالت أمها: يا رسول الله تدفع ابنةَ عبد الله إلى الأعراب، ألا تخيرها؟ فخيرها يا رسول الله، قال: نعم، فذهبت بها فجعلت تعلمها فقالت لها: إذا قال لك غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختارى، فقولي: أختار الله ورسوله ودار الهجرة، فلم تزل تعلمها حتى لقنت، قال: فجاءت بها من الغد فقالت: يا رسول الله، ها هي ذه فَخيّرها، فقال: اختاري يا بنيه"، فقالت: أختار الله ورسوله ودار الهجره والإيمان، فَقَضى بها لأمها، ثم جاءوا بها إلى أبي بكر فقضى بها لهم، فأخبر بأن الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قضى بها لأمها، فردّها لأمها.
ثم أتوا عمر بن الخطاب فقضى بها لهم، فقيل لعمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد قضى بها لأمّها فقال: لقد هممت أني أفعل بكم وأفعل تغفلتموني، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَضى بها لأمها، فقضى بها لأمها، والخلاصة، وهو أن عبد الله ذو البجادين هو صحابي جليل، قد آثر دينه على دنياه وتوفي في غزوة تبوك وحظي عند موته بدعاء منقطع النظير من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا كانت الصحابة الكرام رضى الله عنهم أجمعين، وإن من ثمار محبتهم في الآخرة ما يرجى لمُحبّهم من الحشر معهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المرء مع من أحب " رواه مسلم.

تعليقات
إرسال تعليق