بقلم: أسماء صلاح نصر
ما إن ياتي على مسمعنا فتح بلاد الاندلس (بلاد الفرنج) (شبه الجزيره الايبيريه )حتى نتذكر اسم فاتحها القائد العظيم (طارق بن زياد)، والذي كتب الله على يديه فتح بلاد الاندلس لتكون خير إرث يتركه وراءه ومجد للمسلمين من بعده، لينتشر فيها معالم الاسلام ودينه الحميد ،ويرثها المسلمين من بعده لمدة ثمانية قرون في ازدهار وعظمة …… ومن هنا جئنا لكم بحديث عن قائد عسكري من اعظم القاده المسلمين العسكريين في الدوله الاسلاميه وبخاصه في العصر الاموي( في عهد الخليفه الاموي الوليد بن عبد الملك) في شبه الجزيره الايبيرية ، وذاكَ القائد هو (طارق بن زياد) فاتح بلاد الاندلس، والذي نُسب له جبل طارق الذي وطأه جيشه في بدايه فتح للاندلس (والذي يقع جنوب اسبانيا).
من هو طارق بن زياد ؟
هو طارق بن زياد بن عبد الله بن ولغو (رفهو) بن ورفجوم بن نبرغاسن بن ولهاص بن يطوفت بن نفزاو. (او) هو طارق بن زياد بن عبد الله الليثي .
وهو من البربر من قبيله نفزة في منطقه وادي تافنة ولاية وهران بالغرب الجزائري، وقد قيل أنه أمازيغي نشأ في بيئه اسلاميه عربيه ؛ تعلم القران، وحفظ بعضاً من سوره، كما انه تعلم احاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-،ورغم كل ذلك الا انه كان محافظا على لهجته الامّ (اللهجه الأمازيغية). كان طارق بن زياد موالياً للأمير موسى بن نصير ، إذ اصبح من اشهر القاده العسكريين في التاريخ ،ومن اهمهم على الاطلاق، وهو من اكثر الشخصيات الوطنية احلالاً في المغرب العربي، وإكراما وتخليدا لذكراه سميت باسمه المواقع في البلدان الاسلاميه وخارجها. وكان يتميز طارق بانه صاحب صفات أمازيغية ،ومن هذه الصفات التي ذكرها الدكتور( محمد علي الصلابيّ) انه كان ذا بُنية جسدية ضخمه، وصاحب قامه طويله ،كما انه كان اشقر اللون).
متى ولد طارق بن زياد؟
ولد في القرن الاول الهجري عام 50 هـ/ 670 م . إلا انه يوجد راي اخر حول عام ولادته حيث قيل انه ولد في 15 نوفمبر عام 57 هـ/ 679 م. ومنهم من قال انه ولد عام 55 هـ/ 675 م . على آيه حال فقد ولد قائد من أعظم قواد المسلمين، والذي فتح الله على يديه منطقه لم يكن قد وصلها الاسلام بعد، لتكون بعد ذلك موطناً للإسلام والمسلمين.
أصله
اختلف المؤرخين حول أصول طارق بن زياد فمنهم من قال أنه فارسي من همدان ،ومنهم من قال انه عربي من قبائل الصدف في حضرموت وعلى راس هذا الرأي ابن خلكان، ومنهم من قال بأنه بربري كابن عذارى (ومعظم المؤرخين يميلون لهذا الرأي لكونه كان مولى لموسى بن نصير والي أفريقية).
بدايه طارق بن زياد الحربيه "العسكريه"
عُرِفَ طارق بن زياد على انه كان مولى موسى بن نصير ،وكان من أبرز قادته في بلاد المغرب في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك وهذا ما اتفق عليه المؤرخين .
وقد اظهر طارق بن زياد مهاراته العسكرية وقيادته البارزة التي لفتت انتباه موسى بن نصير، وقد كان مع موسى بن نصير عند فتحه لمدينه طنجة، وكان موسى بن نصير يتبع سياسة تعيين قاده من البربر نفسهم ( اي انه يتخذ من القبائل المقهوره صنائع وموالي) لكي يضمن وجود المدينه تحت يديه ويضمن استقرارها . فوجد ان اقرب شخص لهذا المنصب هو طارق ابن زياد ؛وخاصه كونه قائد مسلم بربري عالم بأمور الاسلام (الدين) وكذلك قائد عسكري بارز ، و حافظ لكتاب الله سبحانه وتعالى، فهذا ما يحبه موسى بن نصير . فعمل على وضع طارق بن زياد على طنجة كمكافأة له على جهوده ومهاراته الحربيه واستمر طارق بن زياد في تفانيه للاسلام ولقائده حتى عينه موسى بن نصير قائد لمقدمة الجيش في المغرب ،فكان جنباً بجنب مع موسى بن النصير في فتوحاته في بلاد الاندلس حتي وصلت الجيوش الى المحيط الاطلسي، والسيطره على المغرب الاقصى، واستمر في ذلك حتى وصل لأهم مدن المغرب، فدخلها وحاصر اهلها وأسرهم ،حتى كانت مدينه الحسيمه اخر مدينه تم محاصرتها وتم اسلام اهلها، حتى اصبح بذلك المغرب باكمله خاضع لحكم موسى بن نصير (عدا مدينة سبته المحصنه والتي ستخضع فيما لموسى بن نصير وطارق بن زياد و ستكون سببا في فتح بلاد الاندلس).
فتح الاندلس
ظل طارق بن زياد مراقباً لمدينة سبته منتظراً الفرصه المناسبه لكي ينقض عليها فاتحاً إياها. وجاءت هذه الفرصه على طبق من ذهب عندما دعا حاكم سبته (يوليان) بنفسه موسى ابن نصير ليتحالفوا معاً ضد (لذريق ملك القوط )لفتح بلاد الاندلس. وانه سيكون تحت حكم موسى بن نصير وسيخضع له ولقوانينه وسيكون خير عون له.
وكان سبب هذا التحالف انه من عادة اشراف القوط ان يرسلوا ابنائهم الى البلاط الملكي في طليطلة لتعلم ، وكانت ابنة يوليان من هؤلاء الابناء الذين ذهبوا الي طليطلة، وكانت تتميز بالجمال الشديد الجذاب والذي دفع لذريق (ملك القوط في اسبانيا) باغتصابها. مما ادى الى غضب يوليان علي ماوفعله لذريق بإبنته ، لذا قرر الانتقام منه عن طريق تحالفه مع المسلمين لدخولهم الاندلس والسيطره عليها وازاحته عن الحكم وقتله ، خاصه انه يعلم مدى صعوبة الاوضاع في الاندلس وان لذريق لن يتمكن من صد هجمات المسلمين، بسبب الانشقاقات الموجوده في الاندلس.
وكان هذا كله يعد حلم يراود طارق بن زياد في اجتياز المحيط "المياه" والذهاب الى تلك الضفه المقابله لمواصلة الفتوحات الاسلاميه بها ورغم عدم رفض موسى بن نصير لذلك العمل العظيم الا أن لمثل هذا العمل لابد من اخذ موافقة الخليفه الاموي اولاً . فأرسل موسى بن نصير كتاب للخليفه الوليد بن عبد الملك يطلب منه ان يؤذن له في فتح الاندلس، وأخبره عن ما قاله يوليان في البدايه تردد الخليفه في أخذ هذه الخطوة ،حيث أنه خشى على المسلمين من أن يصيبهم اذي وهو لن يفرط بهم بهذه السهولة ، فأمر موسى بن نصير بأن يتريس ويتأكد من ان كلام ذلك الملك يوليان صحيح ام لا …. وعلى ذلك الامر ارسل موسى بن نصير احد قادته وهو (طريف بن مالك) والذي نزل في جزيرة (بالوماس) والتي سميت فيما بعد باسم (جزيرة طريف) ،و قام بالاغارة على المناطق المجاورة لهذه الجزيرة حتى وصل الى الجزيرة الخضراء وسبا منها سبايا كثيره ،وعاد الى موسى بن نصير محملا بالهدايا . فكانت هذه الحملة الصغيره دافعه ومطمئنه لموسى بن النصير بأن يتقدم لفتح الاندلس وخاصه انه ايقن بعدم وجود أي صد من جنود الفرنج في تلك المناطق وبذلك يتأكد من كلام يوليانا .
توجه طارق بن زياد لفتح الأندلس
توجه طارق بن زياد في 5 رجب 92 هـ /29ابريل 711 م . على راس جيش عظيم وصل عدده الى 7000 رجل معظمهم من البربر. عبر طارق بن زياد بجيشه الى المضيق الفاصل بين البحر المتوسط والمحيط الذي عرف فيما بعد بجبل طارق، وبدأ في محاربة القوط الواحده تلوى الاخرى، و بدأ في السيطره على العديد من المدن والمناطق المهمه في طريقه، كما انه نجح في فتح بعض القلاع والمدن الحصينة مثل قرطاجنة و الجزيرة الخضراء، الى ان استقر عند وادي عكه والذي تمت بها معركه بينه وبين لذريق ملك القوط ، الذي ما إن علم بكل الانتصارات التي حققها طارق بن زياد حتى على الفور جمع جند هائل من طائفته وخطب فيهم جميعاً بأن يتحدوا معا لردع المسلمين عن موطنهم سواء كانوا علي خلاف ام لا ،وبالفعل تمكن من حشد جموع غفيرة ،لدرجة أن خشي طارق بن زياد منهم وسارع في مكاتبة موسي بن نصير يطلب منه المدد والعون ،قائلاً له ( ان الامم قد تداعت علينا من كل ناحيه فالغوث الغوث). وقد سببت هذه الرساله قلقاً كبيراً علي جيوش المسلمين، مما جعله يسرع في إرسال جيش له بقيادة إبنه عبدالعزيز مكون من 5000 رجل ،وقيل انه لكي يضمن طارق عدم تقهقهر جنوده وهروبهم من المعركة أن قام بحرق السفن لكي لا يتمكنوا من الهرب وأخبرهم أن لا مفر من هذه المعركة فالبحر وراءهم والعدو أمامهم (الي ان هذا الأمر غير متفق عليه حيث أن تلك السفن التي كانت بحوزته من البداية لم تكن ملكه ولا ملك المسلمين بل هي ملك الملك يوليان الذي امدهم بمائتي سفينه،فكيف لشخص أن يهدر شئ ليس بملكه ؟! )
وبالفعل تقابل الجيشان في 28 رمضان 92 هـ/19 يوليو 711 م عند وادي لكه من كوره شذونة، ودارت بينهما هناك معركه طاحنه اسفرت عن الهزيمه الساحقة للذريق وانتصار طارق بن زياد .ومن هنا أكمل طارق فتحه لبلاد الاندلس بعد ان قام بقتل لذريق، ومحاربة كل من وقف امامه من الفرنج ،وصار علي هذا المنوال حتى وصل بنفسه الى طليطلة عاصمة القوط ،ففتحها ودخلها في أُبهة عظيمة ،وكان دخولها مشابهاً لدخول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الي البيت المقدس . وبذلك اصبح طارق بن زياد حاكما لبلاد الاندلس.
ظل طارق بن زياد بطليطلة الى ان وصل موسى بن نصير فسلمها له وصار تحت أمرته.
ذكر بعض المؤرخين انه قد حصل نزاع بين موسى بن نصير وطارق بن زياد ، مما ادي على إثره ضرب موسى لطارق بسيفه بأن وضعه علي رقبته وقام بسجنة، الا انه بعد ذلك قام بالعفو عنه وتصافت نيتهم تجاه بعضهم البعض، بعد أن شرح طارق بن زياد لكل ما قام به وعن مت مر به ، بعدها اكملا معا فتح بلاد الاندلس. وقيل ان سبب هذا النزاع الذي كان بينهم ان موسى بن النصير كان قد امر طارق بن زياد ان يتروا من البدايه وان لا يدخل في قتال حقيقي مع الفرنج حتى ياتي اليه لانه كان يخشى على المسلمين، الا ان طارق كان حماسه اكبر بكثير من ذلك حيث أنه عندما وجد الأمور سهله وأنه يفتح المدينة تلوى الأخرى من دون أي عناء تعجب في ذلك وبدأ في السيطرة علي كافة المدن التي تأتي في طريقه. ورأي اخر يقول ان موسى بن نصير كان يخشى ان يكتب الفتح كله لطارق بن زياد دون ان يطول هو شيء من هذا الشرف العظيم، لذا غضب من طارق وحبسه ثم بعد ذلك عفي عنه.
وعلى آيه حال لقد تم الصلح بينهم واجتمعوا معاً بعد ان اخبر طارق أميره موسى بن نصير بان كل ما قد فتحه ما هو الا ملكه ويكتب بإسمه لأنه يعمل تحت إمرته .
و كان في هذه الفترة يوجد رسول من الخليفه الوليد بن عبدالملك عند موسى بن نصير يأمر بأن يوقف الفتح ويأتي لملاقاة الخليفة ، الا ان موسى كان يجعله ينتظر بسبب عدم استطاعته لوقف الجهاد وهو في احره هكذا ،كما أنه كان يرغب في أن يصل الي دمشق عن طريق أوروبا بفتح القسطنطينية ،إلا أن الخليفة كان يحتضر لذلك رغب في أن يطمئن اولا علي امته وعلي المسلمين وما آلوا إليه،وخاصه أنه يخشي من انفراد موسي بالسلطة في تلك البلاد البعيدة عن مركز الخلافة . لذلك تحت ضغط الخليفه عليه اضطر موسى بن نصير وطارق بن زياد بتوجه الي دمشق عاصمة الدولة الإسلامية وبذلك يكون قد انتهى دورهم العسكري في فتح بلاد الأندلس .
نهاية طارق بن زياد
استدعى الخليفه الوليد بن عبد الملك موسى بن نصير وطارق بن زياد لملاقاتهم بدمشق عام 95 هـ . وذلك ادى الى توقف الفتح في بلاد الاندلس، وبذلك ينتهي دورهم العبقري في فتح الاندلس(بلاد الفرنج شبه الجزيرة الايبيرية) وعلى ما يبدو ان الخلاف الذى قد وقع بينهما قد وصل إلي الخليفه الوليد عن طريق ذلك الرسول الذي كان قد دفعه الخليفه لاستدعاءهما ،وذلك لانه رغب في أن يحسم الخلاف بنفسه.
فتوجه طارق مع موسى بن نصير الى دمشق ومعه أربعمائة من افراد الاسرة المالكة وجموع من الاسرى والعبيد والعديد من النفائس (اي أنهم كانوا عائدين في ابهي صوره). وكانوا اثناء عودتهم يوزعون على كل من لاقوه من الاموال الطائله والذهب والحلي التي كانت معهم. حتى وصلوا الي طبريا بفلسطين لاقاهم سليمان بن عبد الملك، فطلب منهما ان ينتظروا مكانهما وألا يذهبا الى اخيه بدمشق لانه يحتضر ولم يبقا علي وفاته الا القليل، فلم يوافق موسى بن نصير على ذلك الامر بل انه خطا سيره واسرع في ذلك حتى وصل الى دمشق ،فوصل في ترحاب كبير وأُبهة عظيمة ففرح الخليفة الوليد بذلك وخطب في الناس فرحا لما آلت إليه الخلافة في عهده واكرم القائدين وجزاهم علي عملهم العظيم ، ولكن بعد ذلك بعد ان تولى سليمان بن عبد الملك امر الخلافه، أمر بعزل موسي بن نصير واولاده منظحكم بلاد الاندلس والمغرب، وقتل ابنه عبد العزيز الذي شارك في فتح بلاد الاندلس. بينما حال طارق لم يسمع عنه ،حيث قطعت اخباره إثر وصوله الى الشام، وقيل انه لم يولى علي عمل، وفضل ان يعيش بعيدا عن أمور السياسية ويمضي ايامه في العباده والزهد بعيدا عن مسرح الشهره وتجنب السياسه . و يوجد بعض المؤرخين من ذكر انه قد رؤيا وهو يتسول في المسجد بحثا عن لقمة عيش ليسد رمقه ويسدد ديونه، حيث ان الخليفة سليمان بن عبدالملك كان قد امر كل من موسى وطارق بن زياد بان يسددوا كل تلك الاموال الطائله التي أخذوها من أموال الفتوحات،وذلك اثناء عودتهم الى دمشق، لكونها لم تكن من مالهم الخاص بل انها من حق بيت مال المسلمين .
وبذلك تنتهي حياة قائد من أعظم قادة المسلمين بوفاته عام 101هـ / 720 م

تعليقات
إرسال تعليق