مقادير الناس . بقلم :إبراهيم محمد مرجونة / وطنى نيوز



مقادير الناس .

بقلم ا.د/إبراهيم محمد مرجونة
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
رئيس قسم التاريخ كلية الآداب بدمنهور

مع ان كل الخلق من اصل طين
وكلهم بينزلوا مغمضين
بعد الدقايق والشهور والسنين
تلاقي ناس اشرار وناس طيبين
(صلاح جاهين, رباعيات)
تحتاج كل الاكلات الشهية حلوة المذاق ذات القيمة الغذائية المتكاملة إلى ضبط المقادير ومهارة الطهي.
أن ضبط المقادير فى الطهي أهم شىء، فعلى سبيل المثال اذا اردت عمل البيتي فور يجب مراعاة وضع كمية كافية من الزبدة وهو يحتاج أيضا كمية أكثر من البسكويت ليكون أكثر نعومة، بجانب أن أبرز مشكلة تواجه الناس عند عمل البيتى فور أنه "بيتكسر" عند رفعه من الصينية، لذلك يجب ترك البيتى فور لمدة لا تقل عن 10 دقائق قبل نقله من الصاج واستخدام ملعقة بلاستيكية عريضة لرفعه.

وبعيدا عن المأكل والمشرب فنحن نعيش ظروف خاصة واستثنائية يمر بها الجميع حاليًا فى ظل المتغيرات واختلاط المفاهيم وغياب الوعي وطمس الهويات ونسيان الموروث الثقافي.
مما أحدث إخلال غير عادي في المقادير، نعم الناس في حاجه إلى ضبط المقادير في التعاملات وإعطاء كل ذي حق حقه دون تملق او نفاق او محاباه، فمن العبارات الشائعة والمتداولة بين الشباب خصوصًا، وتستخدم في إطار العلاقات بينهم: "قدر تتقدر"، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم، عمق هذه العبارة الشعبية بأسلوبه النبوي العظيم، الذي يدل على رقي الخلق وجزالة المعنى، تحت عنوان " أنزلوا الناس منازلهم".
فعن ميمون بن أبي شبيب أن عائشة رضي الله عنها مرّ بها سائل فأعطته كِسرة، ومرّ بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزلوا الناس منازلهم) رواه أبو داود في سننه.
وأوضحت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سبب صنيعها حين أعطت الأول كِسرة خبز وأقعدت الثاني فأطعمته، بأنه إنزال للناس منازلهم.
فالمراد بالحديث الحض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام وغير ذلك من الحقوق"، والمقصود معاملة كل أحد بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف.
هذا التوجيه النبوي الكريم يرجع إلى أمرين هما: الحكمة والعدل؛ وهما أصلان من أصول الشرع والعقل، فالحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها وتنزيلها منازلها، والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه.
والناس قسمان، قسم لهم حق خاص، كالوالدين والأولاد والأقارب والجيران والأصحاب والعلماء والمحسنين بحسب إحسانهم العام والخاص، فهذا القسم تنزيلهم منازلهم يكون بالقيام بحقوقهم المعروفة شرعاً وعرفاً من البر والصلة والإحسان والتوقير والوفاء والمواساة، وجميع ما لهم من الحقوق، فهؤلاء يميزون عن غيرهم بهذه الحقوق الخاصة.
أما القسم الثاني هم الذين ليس لهم مزية اختصاص بحق خاص، وإنما لهم حق الإنسانية، فهؤلاء حقهم المشترك في إنزالهم منزلتهم، بأن تمنع عنهم الأذى والضرر بقول أو فعل، وأن تحب للغير ما تحب لنفسك من الخير وتكره لهم ما تكره لها من الشر، بل يجب منع الأذى عن جميع نوع الإنسان وإيصال ما تقدر عليه لهم من الإحسان.
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يعاشر الخلق بحسب منازلهم، فالكبير له التوقير والاحترام، والصغير يعامله بالرحمة والرقة المناسب لحاله، والنظير يعامله بما يحب أن يعامله به، وللأم حق خاص بها، وللزوجة حق آخر، ويعامل من يُدل عليه ويثق به ويتوسع معه ما لا يعامل به من لا يثق به ولا يدل عليه، ويتكلم مع الملوك وأرباب الرئاسة بالكلام اللين المناسب لمراتبهم، ولهذا قال تعالى لموسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: 43-44), ويعامل العلماء بالتوقير والإجلال والتعلم، والتواضع لهم، وإظهار الافتقار والحاجة إلى علمهم النافع، وكثرة الدعاء لهم، خصوصاً وقت تعليمهم وفتواهم.
وأمر الصغار بالخير، ونهيهم عن الشر بالرفق والترغيب، وبذل ما يناسب من الدنيا لتنشيطهم وتوجيههم إلى الخير، واجتناب العنف القولي والفعلي.
ومن ذلك أيضًا مخاطبة الزوجة والأولاد الصغار بالخطاب اللائق بهم الذي فيه بسطهم، وإدخال السرور عليهم.
ولتكن على يقين أن الأخلاق نبتة جذورها في السماء، أما أزهارها وثمارها فتعطر الأرض، فأجعل عطرك يفوح في كل الأزمان والأمكنة، فالزهرة التي تتبع الشمس تفعل ذلك حتى في اليوم المليء بالغيوم.

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
رئيس قسم التاريخ كلية الآداب بدمنهور

مع ان كل الخلق من اصل طين
وكلهم بينزلوا مغمضين
بعد الدقايق والشهور والسنين
تلاقي ناس اشرار وناس طيبين
(صلاح جاهين, رباعيات)
تحتاج كل الاكلات الشهية حلوة المذاق ذات القيمة الغذائية المتكاملة إلى ضبط المقادير ومهارة الطهي.
أن ضبط المقادير فى الطهي أهم شىء، فعلى سبيل المثال اذا اردت عمل البيتي فور يجب مراعاة وضع كمية كافية من الزبدة وهو يحتاج أيضا كمية أكثر من البسكويت ليكون أكثر نعومة، بجانب أن أبرز مشكلة تواجه الناس عند عمل البيتى فور أنه "بيتكسر" عند رفعه من الصينية، لذلك يجب ترك البيتى فور لمدة لا تقل عن 10 دقائق قبل نقله من الصاج واستخدام ملعقة بلاستيكية عريضة لرفعه.

وبعيدا عن المأكل والمشرب فنحن نعيش ظروف خاصة واستثنائية يمر بها الجميع حاليًا فى ظل المتغيرات واختلاط المفاهيم وغياب الوعي وطمس الهويات ونسيان الموروث الثقافي.
مما أحدث إخلال غير عادي في المقادير، نعم الناس في حاجه إلى ضبط المقادير في التعاملات وإعطاء كل ذي حق حقه دون تملق او نفاق او محاباه، فمن العبارات الشائعة والمتداولة بين الشباب خصوصًا، وتستخدم في إطار العلاقات بينهم: "قدر تتقدر"، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم، عمق هذه العبارة الشعبية بأسلوبه النبوي العظيم، الذي يدل على رقي الخلق وجزالة المعنى، تحت عنوان " أنزلوا الناس منازلهم".
فعن ميمون بن أبي شبيب أن عائشة رضي الله عنها مرّ بها سائل فأعطته كِسرة، ومرّ بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزلوا الناس منازلهم) رواه أبو داود في سننه.
وأوضحت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سبب صنيعها حين أعطت الأول كِسرة خبز وأقعدت الثاني فأطعمته، بأنه إنزال للناس منازلهم.
فالمراد بالحديث الحض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام وغير ذلك من الحقوق"، والمقصود معاملة كل أحد بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف.
هذا التوجيه النبوي الكريم يرجع إلى أمرين هما: الحكمة والعدل؛ وهما أصلان من أصول الشرع والعقل، فالحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها وتنزيلها منازلها، والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه.
والناس قسمان، قسم لهم حق خاص، كالوالدين والأولاد والأقارب والجيران والأصحاب والعلماء والمحسنين بحسب إحسانهم العام والخاص، فهذا القسم تنزيلهم منازلهم يكون بالقيام بحقوقهم المعروفة شرعاً وعرفاً من البر والصلة والإحسان والتوقير والوفاء والمواساة، وجميع ما لهم من الحقوق، فهؤلاء يميزون عن غيرهم بهذه الحقوق الخاصة.
أما القسم الثاني هم الذين ليس لهم مزية اختصاص بحق خاص، وإنما لهم حق الإنسانية، فهؤلاء حقهم المشترك في إنزالهم منزلتهم، بأن تمنع عنهم الأذى والضرر بقول أو فعل، وأن تحب للغير ما تحب لنفسك من الخير وتكره لهم ما تكره لها من الشر، بل يجب منع الأذى عن جميع نوع الإنسان وإيصال ما تقدر عليه لهم من الإحسان.
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يعاشر الخلق بحسب منازلهم، فالكبير له التوقير والاحترام، والصغير يعامله بالرحمة والرقة المناسب لحاله، والنظير يعامله بما يحب أن يعامله به، وللأم حق خاص بها، وللزوجة حق آخر، ويعامل من يُدل عليه ويثق به ويتوسع معه ما لا يعامل به من لا يثق به ولا يدل عليه، ويتكلم مع الملوك وأرباب الرئاسة بالكلام اللين المناسب لمراتبهم، ولهذا قال تعالى لموسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: 43-44), ويعامل العلماء بالتوقير والإجلال والتعلم، والتواضع لهم، وإظهار الافتقار والحاجة إلى علمهم النافع، وكثرة الدعاء لهم، خصوصاً وقت تعليمهم وفتواهم.
وأمر الصغار بالخير، ونهيهم عن الشر بالرفق والترغيب، وبذل ما يناسب من الدنيا لتنشيطهم وتوجيههم إلى الخير، واجتناب العنف القولي والفعلي.
ومن ذلك أيضًا مخاطبة الزوجة والأولاد الصغار بالخطاب اللائق بهم الذي فيه بسطهم، وإدخال السرور عليهم.
ولتكن على يقين أن الأخلاق نبتة جذورها في السماء، أما أزهارها وثمارها فتعطر الأرض، فأجعل عطرك يفوح في كل الأزمان والأمكنة، فالزهرة التي تتبع الشمس تفعل ذلك حتى في اليوم المليء بالغيوم.

تعليقات