بقلم الباحثة/ تسنيم البيلي
كاتبة وباحثة في علم المصريات والآثار
لم تكن هناك قوة في حياة الإنسان القديم يسيطر أثرها على نشاطه كما يسيطر الدين، ذلك لأن الدين كان منفذا للخيالات و محاولة لتفسير الظواهر المحيطة بالانسان فهو يصدر دائما عن رغبة او رهبة، رغبه في المنفعة أو رهبة من المجهول والأخطار، والحياة لا تتأثر بالدين فحسب بل تختلط وتمتزج بها أمتزاجا يتأثر بالإنطباعات الخارجية حتى يخرج من ذلك كله مزاج يتطور مع القوة الكامنة في الإنسان هذا وكانت الطبيعة المبشر الأول للدين إذ فسر الإنسان مظاهرها حين عجز عن فهمها بإن عزاها إلى قوة خارجة عن نطاق تفكيره، والآلهة أو المعبودات في رأي الانسان القديم كالبشر يمكن ان نترضاهم بالقرابين والتقدمات ولهم صفات البشر أحيانا كذلك.
هكذا وقد تكونت عند المصري القديم نوعان من الآلهة آلهة رئيسية وآلهة محلية وقد لعبت الأخيرة عنده الدور الرئيسي وقد ظلت تعبد حتى نهاية العصور القديمة وذلك لقربها منه وتأثره المباشر بها حتى أصبح لكل أسره ولكل قبيلة ولكل إقليم معبوداته المحلية المتعددة غير أن نفوذ كل معبود إنما كان أحيانا يقتصر على منطقته التي نشأ فيها وإنما كان يمتد الى ما حولها من القرى حسب أحوال البيئة التي تحيط بمنطقه نفوذه وخاصة الأحوال السياسية فإذا ما عظم شأن قبيلة سياسيا تغلب آلهها على ما حولها من القبائل الآخرى دينيا وأصبح إله هذه القبيلة هو صاحب النفوذ الأعظم وأستمر الحال على هذا النحو حتى أصبح لمصر كيان سياسي عندما أندمجت المناطق بعضها في البعض وانقسمت الى قطرين ثم أتحدت في البلاد تحت أمرة ملك واحد وهنا يظهر نوع ثالث من الآلهة وهو معبود الدولة الذي كان في الأصل أحد المعبودات المحلية ثم إستطاع حاكم إقليمه ان يفرض سيطرته على مصر بأكملها وحتم على القوم أجمعين ان يقدسوا معبوده فيصبح بالتالي معبود الدوله بأكملها.
علي ان المعبودات المحلية رغم أنها أساس الديانة المصرية فإن قوي الطبيعة العالمية قد قامت بدور هام في معتقدات القوم في كل التاريخ المصري القديم ولا بد ان هذه الآلهة كانت تعبد منذ الأزل بصفه عامة غير أنها لم تحتل مكانه مرموقه على ما يظن في نفوس القوم الذين كانوا لا يؤمنون الا بعباده الاشياء المحسة القريبه الى عقولهم وربما لم تتأثر عبادة القوى العالمية في نفوس القوم بسبب تطورات عقلية وربما بسبب توجيهات رجال الفكر والدين عندما أرادوا تفسير العالم وتكوينه ولا نزاع في ان الالهه العالميه إذا ما قورنت بالآلهة المحلية فإن الأخيرة تضاءل أمام الاولى وربما كانه من المرجح ان عبادة القوى الطبيعية البارزة لم تأتي إلا بعد إتحاد القطرين، هذا وقد بدت لنا االآلهة العالمية إما في صورة إنسانية او صورة حيوانية فقد ظهر إله الشمس في صورة إنسان برأس صقر كما مثلت آلهة السماء "نوت" في صورة بقرة كبيرة تعتمد على قوائمها الأربع التي تمثل دعائم السماء، يبحر فيها قارب يحمل شمس الصباح وقد ظهرت السماء كذلك امرأة تحل محل البقر احيانا تنحنى بجسمها المديد فوقه الارض وتعتمد على ذراعيها وساقين التي تحل محل قوائم البقره، ومن ثم نفهم ان نظام عباده القوى الطبيعيه يرجع الى عهود قديمه جدا وربما قد عبدت هذه الآلهة الطبيعيه في بادئ الامر في صوره مبهمه ومن ثم فلم يكن لها محاريب خاصه وان محرابها انما كان الكون نفسه غير ان المصري الذي لم يكن يؤمن بالمرئيات والاشياء المحسة قد اتخذ لها أماكن عبادة كالتي أتخذها في بادئ الأمر لآلهته المحلية.
هذا ومن المعروف ان الدين المصري القديم كان ثمره عدد كبير من العبادات القبليه الاصليه وكان لكل مدينه معبودها الخاص ومن ثم فقد تميزت كل منطقه بمعبودك خاص ربما كان الاصلي هو الكائن الغالب في البيئه اوجو التاثير الكبير في سكانها وهكذا عبد التمساح في المناطق التي تكثر فيها الجزر او البحيرات حيث يقتصر وجوده هناك ومن ثم فقد عبد في منطقة دندرة عند ثنية قنا حيث ينحني النيل و يتخلف عن انحنائه عدة جزر، كما عبد في منطقه وادي كوم أمبو و في الفيوم حيث توجد بحيره قارون العزبه وما يتصل بها من بحيرات صغيره تتناقص ربنا الجزر التي تساوي تقوي اليها تماسيح كما عبدت الثعابين والافاعي في مناطق التلال القريبه من الوادي حيث يكثر وجودها هناك كما في قاو الكبير وفي مستنقعات الدلتا كما في بوتو، كما عبدت السبوع في الأقاليم المجاورة للدلتا وعبدت الصقور في مناطق التقاء الوديان او الطرق وادي النيل كما في أدفو حيث ينتهي وادي عبادى وفى قفط حيث ينتهي وادي الحمامات، فضلا عن المناطق التي تتاخم الصحراء والتي تقع في اقصى شرق الدلتا وغربها كما في دمنهور وفى أوسيم وفي منطقة صفط الحنة قريبا من فاقوس، كما عبد الذئب وابن آوى فى تلال أسيوط شبه الجبلية وفي اقاليم مصر الوسطى وعقدت القطط في بوبستا وعند وادي بني حسن و انثى النسر في ثالث اقاليم الوادي من الشرق والصقر من الغرب وعبد الكبش في كثير من الاقاليم المصريه من مطلع الوادي الى رأس الدلتا.
وهنا يجب ان نلاحظ ان القوم لم يقدسوا حيوانا لذاته ولم يقروا تماما لارباب هم بالتجسد المادي في هيئه حيوان او طير وانما كان اهتمام المتدينين منهم بما تخيروا من الحيوان والطير يستهدف يا رغبتين وهما رغبه الرمز الى صفات الى خفي ببعض المخلوقات الظاهره التي تحمل صفه من صفاته او ايه من اياته ثم رغبه التقرب اليه عن طريق الرعايه التي يقدمونها لما لما رمز وبه اليه من مخلوقاته، هذا وقد ترتب على التفرقة بين كل إله ورموزه الحية من الحيوانات والطيور ان أختلف وضع هذه الرموز عندهم عنه عن شعوب آخرى فلم يكن أختيار المصريين لرمز أو فرد من الحيوان يؤدى إلى تقديس كل أفراد نوعه، ولم يكن من بأس على قرية ترمز إلى ربها بهيئة الفحل مثلا ان تستخدم الفحول فى الحقل والنقل والذبح وإنما هو مجرد حيوان واحد منها يتخيره الكهان إذا توافرت فيه علامات حددها لهم الدين ونواميسه ثم يتركونه فى مزاره آية مشهودة حتى ينفق وذالك على العكس من شعوب آخرى قدست أنواعا من الحيوانات بكافة أفرادها ومن ثم فأننا نلاحظ أنه ما من معبد من المعابد الكبيرة الباقية حتى الآن مما خلفته العصور الممتدة من الدولة الحديثة على أقل تقدير قد تضمن مكانا معدا لخيوان مما يعنى ان رمز الحيوان المقدس إذا وجد لم يكن مقرا لعبادة فعلية على الأطلاق، وان كنا نفترض من جهة آخرى بناء على نصوص وصور نادرة عادات آخرى تتعلق بالعجل أبيس وغيره من عصور متأخرة أنه إذا قضت الظروف بالعناية بحيوان معبود ما، وضع الكهنة هذا الخيوان المختار فى مزارة منفصلا عن مكان العبادة بحيث ان شاء المتعبد زاره وان شاء تجاوزه.
وعلى أى حال فإن القوم فى معظم الأحوال إنما أتخذوا آلهتهم فى بادئ الأمر من طبيعة البيئة التى كانوا يعيشون فيها مراعين فى ذالك مدى أفادتهم من هذه الآلهة سواء أكان ذالك بكشف الضر عنهم ان بعض منها قد يتأتى عنها كثير من الشر، ويظهر أثر البعض منها فى جهات بعينها وفى ظروف بعينها أكثر مما يظهر أثر بعضها الآخر الأمر الذى لم يكن يخلو من أعجاز فى نطاق تصوراتهم التى كانت فى عصورها الأولى لا تزال قليلة التجارب، محدودة الآفاق، وبوحى هذه التصورات رمزوا بحيوية الكبش الطلوق إلى الإخصاب الطبيعى والنوعى ورمزوا بقوة الفحل إلى شيئ من ذالك وإلى قوة البأس فى مجملها ورمزوا بنفع البقرة ووداعتها بحنو السماء وأمومتها ورمزوا بقوة السباع واللبؤات إلى أرباب الحرب ورباتها ورمزوا بفراسه القر وأتزان طائر أبى المنجل إلى إله الحكمة ورمزوا بالحيات والضفادع إلى أرباب الأزل ورمزوا بخصائص الصقر إلى رب الضياء وحامى الملكية ومثل هذا كثيرا.
وهكذا كان معبود كل مدينة يظهر أحيانا على صورة رمز مقدس مادى ولكن فى أغلب الأحيان فى صورة حيوانية وهكذا كانت القطة باستت فى بوباسته، والآلهة الصل أدجو فى بوتو والأبيس تحوت فى الأشمونيين والإله وب واوات والإله أبن آوى فى أسيوط وعندما تجمع الآلهة معا زودت هذه المعبودات الحيوانية بأجساد وأعضاء الأدميين العاديين ونسبت إليهم بعض الصفات وألوان النشاط الأدميةوهكذا صور الإله آمون فى هيئة أدمية برأس كبش وصورت الآلهة حتحور برأس أدمية ولها قرون بقرة.
وهنا نرى ان القوم معبودا ذا رمز حيوانى بأسم الحيوان المادى الذى يرتبط به فهم لم يقدسوا هيئة الصقر مثلا بأسمه الحيوانى "بيك" ولكن بأسم ربانى هو "حورس" ولم يقدسوا هيئة البقرة بأسمها الحيوانى "أحت"(احة) وأنما بأسم حتحور ولم يقدسوا هيئة التمساح بأسمه الحيوانى"مسح" ولكن بأحد أسمين ربانيين هما "خنوم" و "أمون"هذا فضلا عن ان القوم لم يقدسوا السماء بأسمها الطبيعى "بت" ولكن بأسم ربتها "نوت" أضف إلى ذالك بعض أسماء معبوداتهم إنما كانت صفات فى جوهرها أكثر منها أسماء فأسم حور يعنى العالى أو البعيد وأسم سخمت يعنى القادرة أو المقتدرة وأسم أتوم يعنى الكامل المنتهى وأسم أمون يعنى الحفيظ والخفى وما إلى ذالك من أسماء.
هذا وقد كانت الهيئة البشرية هى اكرم ما تصور المصريون به أربابهم ومن ثم فقد جرت العادة على تمثيلهم على هيئة الإنسان فى أغلب الأحوال مع تميزهم عنهم بأزليتهم وأبديتهم ومطلق قدرتهم وقد مثلت بعض الآلهة بجسم انسان ورأس حيوان أو الطير الذى رمزوا به إليه ولكن كان هناك أرباب آخرى أحتفظت بالهيئة البشرية الخالصة وهم بتاح وأتوم ونبت حت وسشات وخونسو هذا وربنا كان تمثيل الألهة فى هيئة أدمية سببا فى ان يظن القوم ان لها من المشاعر ما يحاكى مشاعر البشر من حب وبغض وأنها تأخذ وتعطى وتعاقب وتثيب مما لا يستطيعه الحيوان أو الجماد أو أنهم أرادوا ان يضيفوا عليها صفاتهم الأنسانية وبذالك جمعوا بين الأنسان والحيوان الذى يعبدونه عند تصورهم الإله بصورة تتفق مع واقعيته.

تعليقات
إرسال تعليق