امتحانات الثانوية بين الحلول الواقعية، والمخاوف المشروعة / وطني نيوز



بقلم/ وائل سعد
التعليم قضية وطن
      لعل أكثر ما يشغل الرأي العام حاليا هو ملف امتحانات الثانوية العامة، وهذا ليس بجديد؛ إذ أن هذا الملف يحوز على اهتمام الرأي العام كل عام عند اقتراب موعد الامتحانات، ولكن هذا الملف استحوذ على اهتمام الرأي العام  ونجح في إثارة الجدل هذا العام بما لا يقارن بالسنوات السابقة نظرا لانتشار فيروس كوفيد 19.
     وبتحليل بسيط للأمور نجد الرأي العام منقسم لفريقين، أحدهما يرفض التأجيل أو الإلغاء، والآخر يرفض إجراء الامتحانات في موعدها، ويقترح عدة بدائل، ولكل فريق أسبابه ودوافعه لتبني وجهة نظره، ولكن العيب كل العيب أن يخون كل فريق الآخر، ويتهمه بالعمالة، والبحث عن مصلحة شخصية.
      أعلنت الحكومة( وهي المنوط بها اتخاذ القرارات المتعلقة بامتحانات الثانوية العامة) قرارها بعقد الامتحانات بداية من الأول والعشرين من يونيه وعليها امتحانات الدبلومات الفنية، لكن البعض نادى ومازال ينادي بتأجيل الامتحانات حتى سبتمبر أو استبدالها بامتحان قدرات أو امتحانات الكترونية، هذا بعد الزيادة اليومية الكبيرة لعدد المصابين بفيروس كوفيد 19, ويبرر أصحاب هذا الرأي ذلك لاحتمالية تجاوز ذروة الإصابة في ذلك الموعد مما يقلل من نسب الإصابة.
      وعلى الجانب الآخر يرى فريق المؤيدون لإجراء الامتحانات في موعدها أنه في حال تم تأجيل الامتحانات ماذا يضمن أن يقل عدد الإصابات اليومية، فقط سنكون قد صنعنا خللا يؤثر بشدة على العام الدراسي القادم، كذلك يرون أن فكرة التأجيل للعام القادم لا يمكن تطبيقها على جميع الطلاب لأن هذا أيضا سيقلل فرص دخول الجامعة تماما للعام القادم، فضلا عن أن هذا الحل متاح فعلا لمن يرغب بشكل فردي. وعن فكرة الامتحانات الإلكترونية فإن هذا في نظرهم غير ممكن لعدم ضمان تواجد جهاز الكتروني في أيدي الجميع للدخول على منصة الامتحان، فضلا عن عدم وجود آلية لمنع الغش في هذه الحالة مما ينسف مبدأ تكافؤ الفرص.
      وعلى الجانب الآخر لابد أن نتفهم مخاوف أولياء الأمور المعارضين لإجراء الامتحانات في موعدها، إذ أن هناك خطورة حقيقية على حياة أبناءهم، وحياتهم جراء الذهاب للامتحان، وكذلك فكرة ضياع عام كامل من حياة أبناءهم ( إذا ما قرروا التأجيل الفردي) أمر مكلف جدا.
        ولا ينكر عاقل أن إجراء الامتحانات في ظل تزايد أعداد المصابين بكورونا هي مجازفة بالفعل سيكون لها تداعيات غير محمودة، فإذا ما شعر طالب ببرد عادي سيشك بأنه قد أصيب، وسيسبب حالة نفسية سيئة لأسرته، وهنا سيحمل الجميع الوزارة والحكومة المسئولية( التي رفض وزير التعليم تحملها)، هذا فضلا عن الشائعات المتوقعة التي سيروجها من أرادوا بهذا البلد سوءا. ليس هذا فقط ما يشغل أولياء الأمور المعارضين لفكرة إجراء الامتحانات في موعدها، بل أيضا تأثير رعب أبناءهم من الإصابة بكورونا على حالتهم النفسية مما سيؤثر على تركيزهم، ومستوى إجاباتهم وبالتالي مستقبله. ولكن بخصوص هذه النقطة يرى مؤيدو القرار أن هذا التأثير سيكون على الجميع وبالتالي لن يكون مؤثرا على التنسيق ودخول الجامعات. 
       أيضا يتخوف البعض من فكرة تواجد فترة استراحة بين المادتين في حالة وجود مادتين بيوم واحد مثل اليوم الأول؛ إذ سيتم اختلاط الطلاب ببعضهم البعض بشكل حتمي لاسيما أن الطلاب هم صغار السن على أي حال وغير مضمون أن يكونوا على درجة كبيرة من الوعي.
    وما زاد من الجدل بين الفريقين، تصريح وزير التعليم العالي بأن اعداد المصابين الحقيقي قد يكون بأكثر من خمسة أضعاف المعلن، وأننا لم نصل للذروة بعد  ( وهو أحد الأعضاء الخمسة للجنة أزمة كورونا، وأحد من بيدهم اتخاذ القرارات الخاصة بامتحانات الثانوية العامة). وأيضا لعل ما أجج احتدام الجدل أكثر هو تصريح وزير التعليم بعدم إمكانية تحميله أو تحميل الدولة لتبعات إجراء الامتحانات في موعدها؛ إذ لا يمكن مثلا تحميل وزير التموين المسئولية عن إصابة مواطن أثناء شراءه الخبز مثلا، لاسيما أن الطالب بالتأكيد له دور في وقاية نفسه، وليس من الإنصاف تحميل الحكومة كل شيئ قد ينتج عن عدم وعي المواطن أو القضاء والقدر.
     والحق يقال أن متخذ القرار يجد نفسه بين اختيارات أحلاها مر، فإذا ما تم تأجيل الامتحانات، فإن هذا قد لا يضمن سلامة الطلاب، بل وسيؤثر على مستقبلهم الدراسي، وإذا ما تم الاعتماد على امتحان القدرات، ففضلا عن أن هذا ليس من حق وزارة التربية والتعليم بل من حق التعليم العالي فقط، أيضا ستكون فرصة لمن لهم واسطة للحصول على فرص أكبر وغير مستحقة مما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
 وفي الوقت ذاته يعد خيار إجراء الامتحانات في موعدها محفوف بالمخاطر في ضوء الحالة النفسية غير المستقرة لدى بعض الطلاب  متأثرين بأخبار كورونا ومتخوفين من الإصابة بها، وأيضا نتيجة البلبلة التي أحدثها أصحاب الأجندات المناهضة لاستقرار الوطن نتيجة نشر شائعات بتأجيل الامتحانات.
      وفي نهاية مقالنا لابد وأن أؤكد على أن  جميع الاختيارات غير مضمونة العواقب وسيكون لها تداعيات، ولكن الدولة تتخذ قراراتها بناء على معلومات لديها ليست متاحة للعامة، وأجهزة تقوم بتحليل البيانات والمعطيات، وتحولها لتوقعات، هذا فضلا عن استبعاد رغبة الحكومة المخاطرة بأبنائها، إذ أن أعضاء الحكومة هم آباء أيضا، فضلا عن المسئولية الأخلاقية نحو الشعب، لذلك لابد وأن نسلم بأن القرارات الحكومية تتخذ بعد دراسة وفي ضوء ما تعتقد الحكومة ( بناء على المعطيات ) أنها القرارات الأفضل أو على الأقل هي الأقل ضررا بين الخيارات المتاحة وتحاول تأمين الطلاب ووقايتهم من الإصابة بكورونا . أما من جهة الطالب فليس بوسعنا إلا أن نطالبه بالاستعداد جيدا للامتحانات وأن يبتعد عن مصادر التوتر، وليترك الحكومة تدرس قراراتها. وفي النهاية إن كان الاختيار النهائي للدولة هو إجراء الامتحانات في موعدها، فليفعل الطالب ما بوسعه لحماية نفسه، وأن يتبع تعليمات وزارة الصحة للحفاظ على نفسه، وأن ينح الخوف جانبا، فالخوف قد يصيبه بوهم المرض مما قد يشعره بكافة أعراض الإصابة بالفيروس، أما إن وجد نفسه غير مستعد سواء نفسيا أو دراسيا، فعليه أن يؤجل امتحانه للعام القادم.
     وفي الختام لا يسعنا إلا أن نرفع أيادينا نحو السماء راجين الله توفيق الحكومة لاتخاذ القرارات الأفضل، وأن يحفظ الله صحة وسلامة أبناءنا الطلاب، وأن تمر هذه الأيام الصعبة الاستثنائية على بلادنا والعالم أجمع بخير. ونذكر بأننا في حالة حرب ضد فيرس شرس مميت، ولا مناص من اتحادنا جميعا للنجاة. حفظ الله طلابنا، حفظ الله جميعنا، حفظ الله مصر. والله الموفق.

تعليقات