كتب : الشاعر / طارق ناجح
مما لا شك فيه أنَّ جميع الأديان السماوية حَرّٓمَتْ شُرب الخمر شكلاً و موضوعاً لما لها من أضرارٍ بالغة على الإنسان جسدياً و روحيَّاً . فالإفراط في شُرب الخمر يؤدي لحدوث أضراراً بالغة للكبد ، التهاب البنكرياس ، إضطرابات في الجهاز الهضمي ، ضرر للدماغ و الجهاز العصبي ، تفكير مشوَّش و فقدان للذاكرة ، و غيرها من الأضرار التي تؤدي في النهاية إلي الموتِ مُبَكِّراً . كُلُّ هذا وغيره يؤدي إلى عدم جواز ذهاب شارِب الخمر القيام بالصلاة سواء في منزله أو الذهاب لدور العبادة ، لأنَّهُ يَنقُضْ رُكناً أساسياً من أركانِها في جميع الأديان السماوية ، ألا و هو الطهارة .
و لكن هناك بعض كبار الشعراء الذين لهم فلسفة خاصة في شُربِ الخمر و علي رأسهم أبو نواس ، إبن الرومي ، عمر الخيام ، عرار ، و غيرهم . و دعونا نبدأ برباعيات الخيَّام المنسوبة لـ غياث الدين أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام المعروف بعمر الخيَّام (1048 - 1131) وهو شاعر فارسي، وعالم في الفَلَك والرياضيات. ولعلها كُتِبَت في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي/ 865 هـ ويأتي العنوان من صيغة الجمع للكلمة العربية رباعية، والتي تشير إلى قالب من قوالب الشعر الفارسي. والرباعية مقطوعة شعرية من أربعة أبيات تدور حول موضوع معين، وتكوّن فكرة تامة. وفيها إما أن تتفق قافية الشطرين الأول والثاني مع الرابع، أو تتفق جميع الشطور الأربعة في القافية. فيقول الخيَّام في رباعيَّاتِه ، ترجمة شاعرنا الكبير أحمد رامي ، مُهاجمًا من يلومه على شرب الخمر ، بأن الله غفور رحيم ، و أنَّه ( اللائم ) إن كان لا يُعاقِر الخمر إلا أنَّه يقترِف سواها من الذنوب :-
يا تارك الخمر لماذا تلوم
دعني الى ربي الغفور الرحيم
ولا تفاخرني بهجر الطِّلَى
فأنت جانِ في سواها أثيم
و يؤَكِّد كلامه هذا بِرباعيةٍ أخرى يؤَكِّد فيها أنَّهُ لا يذوق حلو العفو إلَّا الذي أذنب ، فقال : -
يا نفس ما هذا الأسى والكَدَر
قد وقع الإثم وضاع الحَذَر
هل ذاق حلو العفو إلا الذي
أذنب واالله عفا واغتَفَر
و يعلن الخيَّام أنَّهُ لم يشرب الخمر طَلَباً للفرحِ و السرور أو دعَتْهُ لذلك قِلَّةٌ في الأدب ، و لكن إطلاق نفسه و تحرير روحه هو كل السبب ، فقال :-
لم أشرب الخمر ابتغاء الطرب
ولا دعتني قِلَّةُ في الأدب
لكن إحساسي نزاعا إلى
إطلاق نفسي كان كل السبب
ثم يطلُبُ رحمة الله قائلاً :-
إن لم أكن أخلصت في طاعتِك
فإنني أطمع في رحمتِك
و إنما يشفع لي أنني
قد عشت لا أُشْرِك في وحدتِك
ثُمَّ يعود و يوَجِّه حديثٓهُ لمُدَّعي الزُهد قائلاً :-
يا مُدَّعي الزُهْد أنا أكرَمُ
منك وعقلي ثَمِلاً أحكَمُ
تستترف الخلق وما أستقي
إلا دَّمِ الكَرْم .. فَمَنْ آثم؟
و يُصَرِّح الخيَّام بأنَّ زجاجة خمر، نصف رغيف، ديوان شعر ، و حبيبه هم أفضل عنده من مُلْكٍ منيف :-
زجاجة الخمر ونصف الرغيف
وما حوى ديوان شعر طريف
أحب لي إن كنت لي مؤنسا
في بلقع من كل ملك منيف
و يُقِّر بأنَّهً :-
خير لي العشق وكأس المدام
من ادعاء الزهد والإحتشام
لو كانت النار لمثلي خَلَتْ
جنَّات عَدْن من جميع الأنام
هذه هي فلسفة الخَمْر لعُمَر الخيام في رُباعياته التي قام بترجمتها من الفارسية شاعر الشباب أحمد رامي ، وهي أفضل الترجمات العربية لرباعيات الخيَّام و التي تَغَنَّت بها كوكب الشرق أم كلثوم .
و إلى لقاءٍ مع شاعرٍ آخر و فلسفته في شُرْبِ الخَمْرِ .

تعليقات
إرسال تعليق