أسد الصحراء”عمر المختار / وطنى نيوز


كتبت:-مريم هاشم عمر

مولده ونسبه :-
ولد الشيخ الجليل عمر المختار من أبوين صالحين عام 1862موقيل 1858 م، وكان والده مختار بن عمر من قبيلة المنفة من بيت فرحات وكان مولده بالبطنان في الجبل الأخضر، ونشأ وترعرع في بيت عز وكرم، تحيط به شهامة المسلمين وأخلاقهم الرفيعة، وصفاتهم الحميدة التي استمدوها من تعاليمالحركة السنوسية القائمة على كتاب اللّٰه وسنة رسوله.
وقد ذاق عمر المختار مرارة اليُتم فى صِغره حيث توفى والده أثناء قيامه برحله إلى مكة لأداء فريضة الحج، فعهد وهو في حالة المرض إلى رفيقه السيد أحمدالغرياني’شقيق شيخ زاوية جنزور الواقعة شرق طبرق‘ بأن يبلغ شقيقه بأنه عهد إليه بتربية ولديه عمر ومحمد، وتولى الشيخ حسين الغرياني رعايتهما محققا رغبة والدهما فأدخلهما مدرسة القرآن الكريم بالزاوية، ثم ألحق عمر المختار بالمعهد الجغبوبي لينضم إلى طلبة العلم من أبناء الإخوان والقبائل الأخرى.
وكان تيتم عمر المختار فى صغره من الخير الذى أصاب قلبه الملئ بالإيمان حيث التجأ إلى القوي العزيز في أموره كلها، وظهر منه نبوغ منذ صباه مماجعل شيوخه يهتمون به في معهد الجغبوب الذي كان منارة وملتقى للعلم ، والفقهاء.
ومكث في معهد الجغبوب ثمانيةأعوام ينهل من العلوم الشرعية المتنوعة كالفقه، والحديث والتفسير ومن أشهر
شيوخه:-
شيوخه الذين تتلمذ علىأيديهم، السيد الزروالي المغربي، والسيد الجواني، والعلامة فالح بن محمد بن عبدا الظاهرى المدنى، وغيرهم الكثير وشهدوا له بالنباهة ورجاحة العقل، ومتانة الخلق، وحب الدعوة، اشتهر بالجدية والحزم والإستقامة والصبر، ولفتت شمائله أنظار أساتذته وزملائه وهو لم يزل يافعاً.

وصف عمر المختار:-
كان عمر المختار متوسط القامة يميل إلى الطول قليلا ولم يكن بالبدين الممتلئ أو النحيف الفارغ، وكان أجش الصوت بدوي اللهجة، رصين المنطق،صريح العبارة، لايمل حديثه، متزن في كلمه، تفتر ثناياه أثناء الحديث عن ابتسامة بريئة، أو ضحكة هادئة إذا ما اقتضاها الموقف، كثيف اللحية وقد أرسلها منذ صغره، تبدو عليه صفات الوقار والجدية في العمل، والتعقل في الكلم والثباتة عند المبدأ وقد أخذت هذه الصفات تتقدم معه بتقدم العمر.

تلاوته للقرأن الكريم وعبادته:-
كان عمر المختار شديد الحرص على أداء الصلوات في أوقاتها وكان يقرأ القرآن يومياً فيختمالمصحف الشريف كل سبعة أيام منذ أن قال له الإمام محمد المهدي السنوسي ياعمر ’وردك القرآن‘. ، وقد كان لمحافظته على تلاوة القرآن والتعبد دلاله على قوة الإيمان والتعمق فى النفس ، وقد تجلى هذا الإيمان في حرصه على أداء الصلوات في أوقاتها ، قال تعالى ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا ﴾ وكان يتعبد المولى عز وجل بتنفيذ أوامره ويسارع في تنفيذها وكان كثير التنفل في أوقات الفراغ، وكان قد ألزم نفسه بسنة الضحى وكان محافظا على الوضوء حتى في غير أوقات الصلاة، ومما يروى عنه أنه قال: ”لا أعرف أنني قابلت أحداً من السادة السنوسية وأناعلى غير وضوء منذ شرفني بالنتساب إليهم“.
وقد كان هذا العبد الصالح يهتم بزاده الروحي اليومي بتلاوة القرآن الكريم، وقيام الليل واستمر معههذا الحال حتى استشهاده .

أخلاقه وصفاته:-
إمتاز عمر المختار بالكثير من الصفات الجليلة ، وبسبب الإيمانالعظيم الذي تحلى به عمر المختار انبثق عنه صفات جميلة، كالأمانة والشجاعة،والصدق، ومحاربة الظلم والقهر ، وتظهر صفتى الشجاعة والكرم فى سيرة عمر المختار منذ شبابه الباكر ، ويتضح ذالك فيما فعله عمر المختار 1894م عندما تقرر سفره على رأس وفد من السودان وقد وجد الوفد قافله من قبيلتى الزوية والمجابرة وتجار أخرين من طرابلس وبنغازى تتأهب للسفر إلى السودان فإنضم الوفد إليهم حيث أنهم أكثر معرفه بالطريق وقد تعودوا السير فى الطرق الصحراوية وأثناء سيرهم ظهر أمامهم أسد كان قد تعود النفر من القافله أن يتركوا له بعيرا ليستطيعوا العبور لاكنّ عمر المختار رفض ذالك ورأى أن فيه علامه على الهوان والمذلة وقال: إننا سندفع الأسد بسلاحنا إذا ما إعترض طريقنا ، وعندما همت القافله بالإقتراب من الممر الضيق للعبور خرج إليهم الأسد فانبرى عمر المختار ببندقيته وكانت من النوع اليوناني ورمى السد بالرصاصة الأولى فأصابته ولكن في غيرمقتل واندفع الأسد يتهادى نحو القافلة فرماه بأخرى فصرعته، وأصر عمر المختار على أن يسلخ جلده ليراه أصحاب القوافل فكان له ما أراد.

الدعوة والجهاد:-
تفوق عمر المختار على أقرانه بصفات عده منها ، متانة الخلق ، ورجاحة العقل ، وحب الدعوة ، فوصل هذا الأمر إلى الزعيم الثانى للحركة السنوسيه ”محمد المهدى السنوسي“ فقدمه على غيره واصطحبه معه فى رحلته الشهيره من الجغبوب إلى الكفرة عام ١٨٩٥م ، وفى عام ١٨٩٧م أصدر محمد المهدى قراراً بتعين عمر المختار شيخاً لزاوية القصور بالجبل الأخضر قرب المرج ، وكان وقوع الإختيار عليه للقيام بأمور هذه الزاوية مقصوداً من قِبل قواد الحركة السنوسيه ، حيث أن هذه الزاوية كانت فى أرض قبيلة العبيد التى عرفت بقوة الشكيمه ، شدة المراس ، وقام عمر المختار بأعباء المهمة على خير مقام فعلم الناس أمور دينهم وساهم فى فض النزاعات بين القبائل وعمل على جمع كلمتهم وسعى فى مصالحهم وسار الناس سيرة حميدة فظهر فى شخصيته أخلاق الدعاة من حلم وتأنى ، صبر ، رفق ، علم ، زهد •
ومن الجدير بالذكر انه لم يدخل مجال الدعوة والإرشاد إلا بعد أن تعلم من أمور دينه الكثير فشق طريق الدعوة بزاد علمى ، وثقافه متميزة ، وتفوق روحى ، ورجاحة العقل .
عندما زحف الإستعمار الفرنسي على مراكز الحركة السنوسية فى تشاد ، نظمت الحركة السنوسيه نفسها وأعدت العدة للجهاد ، واختارت من القاده من هم أولى بهذا العمل الجليل وكان من ضمنهم عمر المختار ، فقارع الإستعمار الفرنسي مع كتائب الحركة السنوسية المجاهدة فى تشاد ، وبذل ما فى وسعه حتى لفت الأنظار إلى حزمه وعزمه وفراسته وبُعد نظره وحسن قيادته حتى قال عنه محمد المهدى السنوسي «لو كان لدينا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا» ، وبقى المختار فى تشاد يعمل على نشر الإسلام ودعوة الناس وتربيتهم إلى جانب جهاده ضد فرنسا.
عام ١٩٠٨م شهد عمر المختار أشد المعارك ضراوة وإنتهت بضم السلوم إلى الأراضى المصريه تحت ضغوط بريطانيا على الدولة العثمانية.وفى عام ١٩١١م إندلعت الحرب الليبية الإيطالية ”معركة السلاوى“ وكان عمر المختار وقتها بواحة ‹جالو› فذهب مسرعاً إلى زاوية القصور وأمر بتجنيد كل من كان صالحاً للجهاد من قبيلة العبيد التابعة لزاوية القصور ، فاستجابوا لندائه.
وفى مارس سنة ١٩٢٣م سافر عمر المختار إلى مصر بصحبة على باشا العبيدى وترك رفقائه عند بئر الغبي حتى يعود إليهم، واستطاع اجتياز الحدود المصرية وتمكن من مقابلة السيد ادريس بمصر الجديدة ، وكان عمر المختار عظيم الولاء للسنوسية وزعمائها وشيوخها.
بعد ذالك وقعت العديد من المعارك التى كان من شأنها القضاء على المناطق الليبيه ومَن يدافع عنها«الحركة السنوسيه» ، ومن هذه المعارك:-
١-معركة بئر الغبي
وفى هذه المعركة كانت عيون ايطاليا تترصد حركة عمر المختار في عودته إلى برقة ولكنها فشلت في اللقاء به قبل أنيصل الى رفاقه وما كاد يصل الى بئر الغبي حتى فوجئ بعدد من المصفحات الإيطالية ، ولكنها سرعان ما إنتهت على هزيمة الإيطاليين وغنم عمر المختار هو ومن معه الغنائم.
٢- معركة أم الشفاتير ”عقيرة الدم“
استمر المجاهدون في الجبل الأخضر يشنون الهجمات على القوات الإيطالية وحققوا انتصارات رائعةمن أشهرها «موقعة يوم الرحيبة» بتاريخ 28 مارس 1927م جنوب شرقي المرج قرب جردس العبيدة ،ووقعت بعد معركة الرحيبة معارك ضارية في بئر الزيتون (10 محرم 1335ه‍، 10 يوليو 1927م)،وراس الجلز 13 (محرم 1335هة، 13 أكتوبر 1927م).
أراد الإيطاليون أن ينتقموا لقتلاهم في معركة الرحيبة،فشرعت تعد العدة للإنتقام لقتلاها الضباطالستة وأعوانهم المرتزقة البالغ عددهم (312 )في محاولة لإعادة معنوياتهم المنهارة نتيجة لتلك الهزيمة الساحقة ، وانتهت المعركة بخسائر لكلا الطرفين.
تتوقف المعارك عند هذا الحد بل حدثت سلسله من العمليات الجهاديه والمعارك بين كلا الطرافين إلى أن وصلنا إلى المفاوضات وبدأ ذالك فى بداية شهر مارس ١٩٢٩م ولم يستطيع المتفاوضون الوصول إلى نتيجة مجديه وأُعيدت المفاوضات فى ٢٠ ابريل ولاكنهم أيضاً لم يصلوا إلى نتيجة مجديه وفى ٢٦مايو بدأت المفاوضات من جديد وقد اتفقوا على عدة بنود منها:-
•إحترام الزوايا وأوقافها ودفع المرتبات للشيوخ
•إرجاع أملاك الأسرة السنوسية
•إعفاء الزوايا وأملاك السنوسية من الضرائب
• تسليم المجاهدين نصف مامعهم من أسلحة لقاء ألف ليرة إيطالية تدفع مقابل كل بندقيه.
ولاكن لم يستمر الوضع كثيرا فقد نقضت الحكومة عهودها وغدرت بالمجاهدين ، وهاجموا دور المجاهدين في واديمهجة (28 يناير 1930 )وألقت الطائرات قذائفها على العرب، وانتشرت المعارك في منطقة الجبل حتى أقفلت جميع الطرق.
استمرت المعارك بين الإيطاليين والمجاهدين ومن اشهر تلك المعارك كرسة التي وقعت في يوم20 ديسمبر وقد استشهد في هذه المعركة الساعد اليمن لعمر المختار الشيخ الجليل والمجاهد الفذ الفضيلبوعمر الذي شارك في مسيرة الجهاد منذ دخول الغزو الإيطالي في 1911م.
وقوع الأسد فى الأسر وإستشهاده:-
إستمرت العمليات الجهادية للمختار وظل يقاوم الإيطاليون فى الجبل الأخضر على الرغم من كل المصاعب التى واجهته وكان بمثابة الشوكة فى حلق الإيطاليين ، وظلوا يكيدون له المكائد حتى وقع فى الأسر ودخل سجن بنغازى وقد ظهرت عزته داخل السجن فى مواقف عدة إلى أن جاء وقت المحاكمة وكان ذالك فى الساعة الخامسة مساء 15 سبتمبر 1931م جرت تلك المحاكمة التي أعد لها الإيطاليين مكان بناءً برلمان بدء المحاكمة بيوم واحد قد أعدوا المشنقة وانتهوا من ترتيبات الإعدام وتنفيذ الحكم قبل صدوره، وإنك لتلمس ذلك في نهاية الحديث الذي دار بين البطلوبين غراسياني حيث قال له:« إني لرجو أن تظل شجاعا مهما حدث لك أو نزل بك » وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على الخبث والدناءة والشماته.
وفي يوم 16 سبتمبر من صباح يوم الأربعاء من سنة 1931م عند الساعة التاسعة صباحا نفذ الطليانفي سلوق جنوب مدينة بنغازي حكم الإعدام شنقا في شيخ الجهاد وأسد الجبل الأخضر بعد جهاد طويلومرير.
وبهذا إنتهت حياة أسد الصحراء وظلت سيرته خالده يذكرها التاريخ وتقدسها الشعوب العربيه فى كل مكان « رحم الله شهيدنا العظيم ».

تعليقات