المرأة المطلقه بين ظلم الزوج وقسوة المجتمع بقلم.. يوحنا عزمي /وطني نيوز


مما لا شك فيه ان الطلاق من الأمور التي يبغضها الله 
 كونه يؤدي إلى الفرقة والتفكك وله مشكلاته وانعكاساته وأبعاده الاجتماعية والذاتية والتربوية والنفسية اذ يعتبر من اقسى تجارب التي قد تخوضها المراة لأنها تتحول فجأة من "محترمة" إلى "عاهرة" و"عديمة الأخلاق" وتتحول إلى امرأة سهلة معرضة لمختلف أنواع التحرش، فبالرغم من أن كلا من الرجل و المرأة تعرضا للطلاق ، إلا أن نتائجه وتأثيره السئ يقع على المرأة وحدها، بحيث لا تستطيع إخفاء آثاره الماديه والمعنوية.

وبرغم أن المجتمع شرع الطلاق في أضيق الحدود، وفي حالة استحالة العشرة بين الزوجين، إلا أن المجتمع لم يرحم المرأة و اتحد مع الزمن ضدها ، وكأنه يحاول أن يعاقبها على ذنب لم ترتكبه ويحكم عليها بسجن أبدي داخل صفة المطلقة إلى أن يعفو عنها زوج آخر قد يأتي أو لا يأتي أبدا …

هي علامة استفهام تلمع في أفق مجتمعاتنا العربية التي تضفي عليه أحكاما عديدة ومبالغ فيها ، حيث تقع المرأة تحت نظرة قاسية قاصرة بحكم ثقافة المجتمع والفهم الخاطئ لأعرافه، فأن المجتمع ينظر إلى المرأة المطلقة نظرة قاسية بلا رحمة ولا عطف ، فنجد المرأة في بقع هنا وهناك وكأنها عورة لا ينبغي لها أن تتنفس إلا داخل جدران غرفة وهذا يفرز سلبياته على المجتمع فكيف بها وهي امرأة سرحها زوجها وباتت مطلقة.

ان المرأة المطلقة في مجتمعاتنا تواجه تجارب قاسية، ومحناً أشد من محنة طلاقها، فأطماع الرجال حولها ترشقها بسهامها وعيونا ترميها بنظرات تهزمها بِلومها ، تشعرها بعارها وذلها ومهانتها، وألسنة تقذفها بشرارها ، فتصْليها عباراتها بكلمات كرصاص البنادق تخترق قلبها، فتوقعها صريعة تلفظ آخر أنفاسها ، وآخر ما تبقي من كرامتها ، وحريتها ، وجمالها وإحساسها بإنسانيتها.

ان المجتمع العربي يعاني بأكمله من جملة من الموروثات والعادات الشعبية رغم هشاشتها المنطقية والتي تتمظهر اساسا حول نظرة الرجل إلى المرأة وتعتبرها درجة دونيه علي جميع المستويات الاقتصادية والدينية والثقافية 
والاجتماعية والسياسية ، وتصفها كائناً ضعيفاً وتابعاً تحت رحمة غيره، وهذه في الحقيقة نابعة من كون سلطة الرجل هي الغالبة في كل مجالات الحياة ، حتى داخل الأسرة لذا تسمي مجتمعاتنا أو تتصف بالذكورية من هذا الواقع والنظرة التاريخية جاءت نظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة كونها كيانا مستلباً وفاقدا أهليته وكأنها سلعة مستعملة غير مرغوب فيها، كما أن حظوظ زواجها ثانية تكون ضعيفة، لأن الرجال عادة يبحثون عن البنت البكر وصغيرة السن، وبالتالي فهي لا تصلح زوجة المستقبل وينظر إليها بازدراء ودونية وكأنها ارتكبت جرماً على الرغم من أن الحياة تطورت وتغيرت في الكثير من المفاهيم وأخذت المرأة مجالاتها في شتى نواحي الحياة وأسهمت الرجل معها، ولكن تبقى هذه النظرة القاصرة والجاهلية المسمار الكبير في نعشها طالما بقيت عقلية الرجل تقبع في دهاليز القرون الوسطى.

ان طبيعة المجتمع تؤثر تأثيراً سلبيا في رأي الفرد واحتياجاته، ورغباته، وسلوكه ، وتعبيره ، وخاصة المرأة المطلقة على الرغم من إنها إنسانة قد تعرضت للظلم، أو كان طلاقها نتيجة عدم فهم أو ظروف مادية، وغيرها من الأسباب الكثيرة فهي لم تكن تعتقد بأن طلاقها أعظم من خسارة رجل، كانت تحلم بأن تعيش معه حياة زوجية سعيدة مملوئه بالحب والتفاهم، وأنها ارتكبت جريمة تعاقب عليها محكمة المجتمع، وعليها أن تتطهر منها ما تبقي لها من سنوات عمرها، وتضمد جراحها فلا تفتر تنزف حتي تنزح عروقها من دمائها ، كما تنزح البئر من مائها ، وتلملم أوراق ذكرياتها ، فلا تستريح نفسها من زفراتها وأوجاعها وأحزانها .

فهناك من حكم عليها بأن تعيش النهاية وتشهد غروبها، أياما تداولها كئيبة، تراودها الخواطر كأّنها كوابيس أحلام مزعجة، تصيبها بالقلق والاكتئاب النفسي، فتفقد نشاطها وحيويتها وطاقتها، وتفقد ملامحها ونضارتها، وتصير شاحبه كشحوب أوراق الخريف قبل أوان الخريف، تتوهم أن دورة حياتها انقضت أيامها وساعاتها، فتظل تلهث بين آمالها وآلامها، تصارع لكي تعيش فلا تنسل روحها من ضعفها .

فماذا تقول لمحكمة أدانتها، وألقت بها في زنزانة المجتمع لتقاسي أبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي لأنها مطلقة ؟
ماذا تقول ولا تملك في جعبتها أجوبة برائتها، فتظل حبيسه على أطراف لسانها تمتمات خرساء من عجزها ؟
ماذا تقول والأصوات تعلو صرخاتٍ بداخلها، تثور على ظلمها وجورها لحقوقها؟
ماذا تقول وفي كل يوم تفقد من ذاتها، ونفسها، ودمها وروحها ، وجسمها، وهويتها ، وتاريخها، وآمالها وأحلامها ..؟

إن سبب احتمالية نظرة المجتمع إليها نظرة سلبية يعتمد على ثقافة الشخص نفسه ومدى وعيه في تقبل واقع المرأة في المجتمع العربي عموماً.. فالشخص الناضج المثقف لا ينظر إليها نظرة سلبية من جانب واحد من حياتها، وإنما ينظر إلى جميع الجوانب.
التخلف والجهل هما الرئيسيان لنظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة نظرة سلبية ويجعلها تعاني من ضغوطات معنوية ونفسية.
ولكن المجتمع لا يرحم هذه الإنسانة التي ربما لو كانت الظروف مناسبة لها قد لا يحدث الطلاق، وان حدث فقد يكون المسئول عنه الرجل، وبالتالي فان نظرة المجتمع الضيقة تجعلها هامشية وغير فاعلة وبعيدة عن فكرة الارتباط برجل ثاني وتكوين أسرة سعيدة.

فعلى شبابنا أن يغيروا من نظرتهم لتلك الفتاة المطلقة،
فقد كرمت الاديان المرأة ورفعتها ما لم يحققه لها أى
 دين آخر ولا شريعة أخرى من الشرائع، ليس بالضرورة أن ينظر المجتمع ككل إلى المرأة المطلقة نظرة سلبية، فهناك الكثير من أفراد المجتمع ينظر إليها نظرة ايجابية وبكل احترام وتقدير لأن فشلها في الحياة الزوجية لا ينعكس على مفاصل الحياة كافة، وأحيانا قد يكون الرجل هو السبب في هروب المرأة من عشه الزوجي وفشل حياتهما.
وأخيرا أقول: قد تفشل المرأة اجتماعيا لكنها تنجح في الجانب السياسي أو الثقافي وجوانب أخرى كثيرة.

في نظري الشخصي ليس كل امرأة مطلقة هي السبب وراء طلاقها فبعد الطلاق مباشرة، تقع عليها موجة من التنظير بأنها كان يجب أن تستر على شوائب الزوج و تبقى في علاقة الزواج هذه.
 الطلاق هو حالة وممكن أن يكون سببها الطرفين وليس طرفاً واحداً فقط. والحياة الزوجية مليئة بالأسرار ولا احد يعرف عنها شيئا، ويشك في قدرات المرأة العقلية ويحرمها من حقوقها الأساسية ويضع اللوم دائما عليها وخاصة مسألة الطلاق.

إنها لا تملك إلا أن تعيش معاناتها بمفردها، ولأنها المرأة عليها أن لا تشتكي من حياتها، ولأنها الزوجة عليها أن تتحمل كل أخطاء زوجها وسلبياته، وكل سقطاته وزلاته، وكل تقصيره وجفائه وقسوته، وكل ما تكرهه من عاداته وطباعه، وكل ما يؤذيها من قهره وظلمه لحقوقها، ولأنها الأم المربية عليها واجب التربية والرعاية لأطفالها، والتضحية لأجلهم براحتها وسعادتها، ولأنها السكن عليها أن تهب لبيتها الدفء والحنان والمودة والرحمة ..وحتى وإن حرمت من كل ذلك من زوجها، أو تعبت أو انهارت أو استسلمت لضعفها وانكسارها، عليها أن تصبر وتكافح وتستمر حتى النهاية .

إنها بكل حالاتها ليس من حقها أن تتخلى عن واجبها ومسؤوليتها، أو تمل من صبرها وكفاحها، وتطلب الطلاق،
 أو تكون سبباً من أسبابه، وإلا سيتهمها أهلها وأسرتها والناس بأنها ظالمة لزوجها ، وبأنها إنسانة سلبية ، لا تتحمل مسؤولية الزواج وأعبائه وتبعاته ، أو هي لا تدرك معانيه ومقاصده، أو لا تحسن تدبير شؤون بيتها، وإدارة أسرتها وإسعاد زوجها .

 إن المرأة المطلقة في المجتمع دائما هي (المدانة) ويحكم عليها بالأمور السلبية وفي بعض الأحيان يكون الحكم خاطئا لان زوجها هو السبب نتيجة تصرفاته السلبية داخل البيت مثل انفعالاته وتسرعه في حسم الأمور مما يولد ضغوطا نفسية لدى زوجته بمرور الأيام والسنين فتطلب منه الطلاق.

و هناك الكثير من النساء يطلقن بعد عقد المهور لمدة زمنية قصيرة أو طويلة أي قبل دخولهم القفص الذهبي، فتعد تلك المدة اختباراً للشريكين يعرف احدهما طبائع وميول ورغبات الآخر، وهناك نساء طلقن وقد مضى على زواجهن سنوات طويلة.

وأخيرا أريد أن أقول: إن التخلف والجهل هما السببان الرئيسان لنظرة المجتمع إلى المرأة المطلقة نظرة سلبية ويجعلها تعاني من ضغوطات معنوية ونفسية من طرف المجتمع. وقبل أن نتهم المرأة المطلقة علينا أن نسأل أنفسنا ماذا قدمنا لها لنحميها وندافع عن حقوقها؟ وماذا قدمنا لها لتوعيتها وإرشادها؟ ولتكن غايتنا ليس الترويج للطلاق، والحل الذي وضعه الشارع للرجل وللمرأة حين تستحيل العشرة بينهما .

و غايتنا تحسين صورة المطلقة داخل المجتمع، وصرف الإشاعات والظلم عنها، حتى تستطيع أن تحيا حياة كريمة .
وأن نتحمل مسؤولية تقصيرنا في مواجهة مشاكلنا، ونسعى لتصحيح ما نراه من أخطائنا وسلبياتنا بمجتمعاتنا، ونعمل على تغيير نظرتنا ومفاهيمنا الخاطئة، وعاداتنا وتقاليدنا وطباعنا السيئه التي لا أصل لها من شرائعنا ، ونحاكم أنفسنا قبل أن نحاكم غيرنا، ونعتلي منصة القضاء ونصدر الأحكام من غير أدلة ولا شهود ولا دفاع .

ويبقى دور الأهل في التقليل والتخفيف وطأة هذه المعاناة القاسية، من خلال مساندة المطلقة معنوياً ومادياً، ،مع ضرورة احتوائها نفسياً وعاطفياً بالتفاهم والحنان والحب حتى تتمكن من إعادة ترتيب أوراقها، وهو الأساس الذي تحتاجه لتنهض من جديد أشد قوة وأمضى عزماً ، إضافة إلى ضرورة تفهم الوالدين والأسرة لابنتهم المطلقة، ومعاونتها لتعيد صياغة حياتها من خلال الدراسة أو العمل، ولهذا فأرجو أن يعطى شبابنا و شاباتنا المرأة المطلقة فرصة أخرى للحياة الشريفة والكريمة ولا ننظر للماضى ولا نتكلم فيه ولا نعايرها به عند الاختلاف فى الرأى أو عند حدوث المشاكل الزوجية بل نستفيد منه ومن تجاربه ولا نكرر هذه الأخطاء مرة أخرى، ونحاول بناء أسرة جديدة قوامها الحب والعطف والمودة والرحمة.

فالدعم النفسي والمجتمعي هو أول ما تبحث عنه المطلقة بعد فشل حياتها الزوجية، فهذا هو السبيل الوحيد للخروج من حالة اليأس والإحباط، والحزن الشديد الذي قد يدفع بعضهن إلى الزواج بأول رجل يطرق الباب.
اننا نحتاج ان نعيد فهمنا لنظرة الاديان للمرأة ولمكانتها داخل المنظومة الاجتماعية، وكنواة داخل أسرتها، ولأدوارها ووظائفها، كما نحتاج لتصحيح نظرتنا للطلاق، حتي نقدر أن نعالج الكثير من قضايا المرأة ومشاكلها، لنؤهلها لتكون مربية الأجيال القادمة.

تعليقات