وداعاً يا رمضان بقلم الشيخ أحمد تركى / وطنى نيوز


بقلم / الشيخ أحمد تركى


يا شهر الصبر والرحمة والغفران
بالأمْسِ القريب كنا نَسْتقبلُ رمضان بشَوْقٍ وفرَح وسُرور، وهَا نحنُ نُوَدّعُهُ بحُزْنٍ وألَم، وأمَلُنا في الله كبير، ورَجاؤُنا منه سبحانه أنْ يَتقبَّلَ مِنّا الصّيامَ والقِيامَ، وأنْ يُثيبَنا على الذِّكْرِ وقِراءة القرآن.
فرمضانُ سُوقٌ انتَصَبَ ثم انْفَضّ، رَبِحَ فيه مَن رَبح، وخَسِرَ فيه مَن خَسِر، رَبح فيه الصائمون القائِمون الذاكِرون السّابقون بالخيرات. وخَسِرَ فيه الغافِلون السّاهُون اللَّاهُون المقَصّرون.
فَهَنِيئاً لمنْ صام رمضانَ إيـمانا واحْتِسابا، فغُفِرَ له ما تَقَدّمَ مِنْ ذَنبه. وهَنيئاً لمنْ قام رمضان إيـمانا واحتِسابا، فغُفِرَ له ما تقدّمَ مِن ذنبه. وهَنيئاً لمنْ قام ليلةَ القدْرِ إيـمانا واحتسابا، فغُفِر له ما تقدم مِن ذنبه.

هنيئا لمن قضى أيام رمضان في طاعة الله، وأحيا لياليه في مرضاة الله.
هَنيئاً لمن خرج من رمضان وقد تطهر قلبه من كل الأمراض والأدران، وتعودت نفسه على الطاعة والمعروف والإحسان، وتغيرت حاله إلى أحسن حال.

هَنيئاً لمن خرج من رمضان وقد غُفِرَتْ ذُنوبُه، وكثُرَتْ حَسناتُه، ورُفِعتْ دَرجاتُه، وأُعْتِقتْ رقبَتُه.
هنيئا لمن قبِله ربه وقرّبه وأدْناه، ومن كل خير وجميل حلاّه.
ويا حسرتاه على من أبعده ربه ورده، ومقته وقلاه.
يا حسرتاه على من ضيع أيام رمضان ولياليه في لهو ولعب، أو في نوم وكسل، أو في معاص وذنوب.
يا حسرتاه على من خرج من رمضان كما دخله، بذنوب غير مغفورة، وأعمال غير مقبولة.

فيا من تعلمتَ الصبر في رمضان على طاعة الله؛ اصبر على ما يُرضِي الله حتى تلقاه وهو عنك راض. وإياك أن تعود إلى التقصير والتفريط في طاعة الله بعد رمضان..
يا مَنْ ربيتَ نفسك على الصيام في رمضان؛ لا تَحْرمْ نفسَك من الصيام تطوعا وتقربا إلى الله بعد رمضان، فبابُ التطوّعِ مَفتوح، واعلم أن الصيام وقاية لك من النار..
ففي الصحيحين وغيرهما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله، بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». أيْ مسافة سبعين عاما.
ولتكنْ بدايتك من شوال، فقد رَغّبَ النبي صلى الله عليه وسلم في صيام سِتةِ أيام مِنْ شوال،

فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». رواه مسلم عن أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه.
ويا من ربيتَ نفسك على القيام في رمضان؛ لا تحرم نفسك من القيام بعد رمضان ولو بركعات قليلة..
ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ ».
وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟».
ويا من عِشتَ مع القرآن في رمضان؛ إياك أن تهجر القرآن بعد رمضان، عِشْ مَع القرآن طُولَ حياتِك، فهو النورُ والهدى، الذي قال عنه ربُّ العالمين سبحانه:
﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16].

ويا من كنتَ من عمار المساجد في رمضان؛ إياك أن تهجُر بُيوتَ الله بعدَ رمضان، واعلم أن الرجولة والشهامة والبطولة أن تكون من عمار بيوت الله، أن يكون قلبك معلقا بالمساجد، قال سبحانه:
﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النور: 36، 38].
وقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [التوبة: 18].

يا من كنتَ تحافِظ على الصلوات في رمضان؛ إياك أن تترك الصلاة بعد رمضان، وإياك أن تضيع الصلاة بعد رمضان، فهي صلة بينك وبين خالقك ومولاك، واعلم أن طريق الفلاح في المحافظة على الصلوات، قال تعالى في صفات عباده المؤمنين المفلحين:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2]...

إلى أن قال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 9 - 11].
وعند كل صلاة يُذكّرك المؤذن بالفلاح: "حي على الفلاح حي على الفلاح".

يا من كنتَ تلازم الذكر في رمضان؛ إياك أن تهجر ذكر الله بعد رمضان، واعلم أن ذكر الله حياة للأرواح وطمأنينة للقلوب.
قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت».

تعليقات