الكون المعجز 6 السوبر-نوفا - دكتور/ عبدالعزيز آدم / وطنى نيوز


دكتور/ عبدالعزيز آدم

النجم ذلك المخلوق المعجز الذي يماثل أي مخلوق آخر له دورة حياته ولكن يختلف كثيرًا في صفتها، إنها رحلة حياة عجيبة تدعو إلى الكثير التأمل والتفكر. كأي مخلوق دورة حياته تبدأ بالميلاد وتمر بتحديات الحياة ذاتها ثم النهاية والاندثار.
و أعمار النجوم متفاوتة تقاس بملايين وبعضها بمليارات السنين بمقياس السنة الأرضية.

فكيف تولد أو تنشأ النجوم:
الأمر في مجمله عبارة عن عملية كيمائية وتفاعلات معقدة وصراع بين الجاذبية والتنافر، سأحاول تبسيطها واختصارها قدر الإمكان.
يولد النجم من شيء يشبه السحب التي تتكون بين النجوم وتسمي (سديم Nebula) مصدر هذه السحب الكونية هي الغازات والغبار الناتج عن النجوم المحيطة بالسديم، أو نتيجة أنفجار نجوم أخرى (بعد وصول عمرها للنهاية)، وكأنه مع نهاية حياة كل نجم أو مجموعة نجوم، تولد نجوم أخرى لتكمل دورة حياة واتزان هذا الكون المعجز.
وهذه السدم (التي تشبه السحب كما ذكرت) هي أجمل ما يمكن أن تشاهده في ارجاء الكون بأكمله، لما لها من ألوان جذابة وبريق مبهج، فهي تتوهج باللون الأحمر والأزرق والأخضر وتلتف بمزيج رائع من الألوان المنعكسة من أضواء النجوم، نتيجة تأين الغاز المحيط بها بتأثير الأشعة فوق البنفسجية القادمة من النجوم. وهذه السدم موجودة بشكل دائم في مجرتنا درب التبانة وهي في حالة دوران مستمر حول مركز المجرة وتستغرق دورتها الواحدة ٢٥٠ مليون سنة أرضية. ودورانها الدائم هذا مهم جدًا لتحافظ علي زخمها وطاقتها واستعدادها المستمر لتكون نجوم جديدة، علاوة على دورها في تماسك المجرة برغم توسعها وتباعدها المستر.
إذًا النجم ببساطة يولد من تلاحم السدم (سحب من غبار وغازات النجوم الأخرى وجزء منها من الغبار الناتج عن الانفجار العظيم في بداية نشاة الكون) التي تتمازج وتتفاعل لتكون نواة ملتهبة تصل درجة حرارتها الي ملايين الفهرنهايت وتتسبب في تمدد الغازات من حولها، وتجتمع هذه الغازات الملتهبة برغم تمددها، حول مركز النجم (النواة المستعرة) بسبب جاذبيتها المهولة، لتكون النجم الذي نعرفه. وتستمر حياة النجوم منذ لحظة ولادتها في صراع رهيب مستمر إلى أن تبلغ نهايتها المحتومة. والعجيب في الامر أن سبب ولادتها وسبب معاناتها هو نفس الشيء (وهى الجاذبية). فقد تكونت النجوم عن طريق نواة مستعرة جاذبة للسديم ونتيجة هذه الحرارة المرتفعة تتمدد الغازات حول مركز النجم لتقاوم الجاذبية الرهيبة، أي أن الصراع هنا مستمر بين التمدد والجاذبية - التي كانت هي أصلا سبب وجود النجم- إلى أن النجم يصل إلى مرحلة الاستقرار عندما تتساوي قوة الجاذبية مع معدل التمدد. ولكن مهلا، مرحلة الاستقرار هذه لا تعني أبدأ أن النجم لا يعاني، لانه مجرد استقرار ظاهري، لكن الصراع بين الجاذبية الرهيبة من النواة في مركز النجم والتمدد المهول على سطح النجم مستمر علي مدي حياته التي تبلغ عشرات أو مئات المليارات من السنين. هذا يشبه كثيرا الإنسان الذي تراه مستقر ظاهرًا ولكنه يعاني صراعات بداخله لا يشعر ضراوتها وآثارها الا هو ذاته.

نهاية النجم:
يتوقف عمر النجم وصفة نهاية حياته بالأساس علي حجمه، فالنجوم الأكبر حجما و التي تزيد عن كتلة شمسنا بعشرات أو مئات وربما ملايين المرات هي الأقل عمرًا (وعندما أقول اقل عمرًا في حسابات أعمار النجوم نحن نتكلم هنا عن عدة مليارات من السنين الأرضية). والنجوم الأقل حجمًا من شمسنا يطول عمرها الي عدة مئات المليارات من السنين. شمسنا تعتبر من النجوم المتوسطة والتي سيبلغ اجمالي عمرها بالحسابات الفلكية ما يقرب من ١٠ مليار سنة انقضي نصفها منذ ولادة الشمس ويتبقي ٥ مليارات أخري قبل ان تستهلك مخزون طاقتها وتضمحل لتصل إلى الأفول و الزوال.
هذا عن عمر النجم فماذا عن نهايته:
النجوم التي تزيد كتلتها عن كتلة شمسنا ٧ مرات فأكثر تكون عرضة لأن تنهار بعد نفاذ مخزونها من الطاقة الناتجة عن الوقود المحترق بداخلها (الهيدروجين) وتبدأ في الانكماش والانجذاب لذرتها بقوة وسرعة مهولة لا تملك ازاءها أي طاقة للتمدد والتباعد لمقاومة هذه الجاذبية المهولة من مركز النجم، لتنهار بعدها وتتحول في النهاية الي الثقب الأسود الذي يجذب كل شيء من حوله حتى الضوء ليصبح نقطة سوداء تجذب بقوة مهولة كل الأجرام والطاقة الكونية المحيطة بها، وفي هذا السيناريو يتضح أنه في النجوم العملاقة تنتصر جاذبية مركز النجم على الطاقة الناتجة عن تمدده فينكمش ويضمحل علي ذاته ليتحول إلى الثقب الأسود.

السيناريو الآخر لنهاية النجم يحدث في النجوم الاقل حجما والأطول عمرًا، وهو الأكثر اثارة وينتج عن هزيمة الجاذبية الناتجة عن مركز النجم إزاء القوة الناتجة عن تمدده نتيجة الحرارة المهولة الناتجة من مركز النجم وبذلك تنهار جاذبية مركزه وعندها يحدث انفجار مهول يسمي بالمستعر الأعظم أو السوبر-نوفا، ولك أن تتخيل أن الطاقة التي تنتج عن هذا الانفجار في ثوان عديدة تساوي الطاقة التي تنتجها شمسنا علي مدي حياتها، وهذا القدر المهول من الطاقة الناتجة عن السوبر-نوفا لا يمكن للعقل البشري حتي تخيله بالأرقام ولولا أنه يحدث في مجرتنا درب التبانة على بعد الملايين من السنين الضوئية (المسافة التي يقطعها الضوء في ملايين السنين) لكانت الأرض والمجموعة الشمسية برمتها قد اندثرت بالكامل، دون أي اثر يذكر لها، ولكن من الجدير بالذكر أن نهاية هذه النجوم سواء بالانكماش (التحول الي ثقب أسود) أو بالانفجار لتكون السوبر-نوفا هي من اساسيات استقرار هذا الكون وتماسكه ولاسيما في مجرتنا درب التبانة التي تعتبر الثقوب السوداء فيها أوتاد تعمل على اتزان معدل الجاذبية بين نجومها وكواكبها وأجرامها. وكذلك تعمل السوبر-نوفا على مدها بالطاقة اللازمة لمعادلة الطاقة المنتشرة في كل إرجاءها وتكوين سديم (سحب نجمية) لولادة نجوم أخرى لتكتمل بها دورة حياة الكون.
النجم يشبهنا في الولادة ثم الصراع المستمر للبقاء ثم النهاية المحتومة عند نفاذ قوته و قدرته علي الاستمرار.
ويبقي السؤال بعد كل هذه الشواهد المعجزة كلما تدبرنا في هذا الكون المعجز، هل سياتي على البشرية يوم تستطيع فيه الاستفادة من الطاقات اللانهائية الموجودة في هذا الكون، أمثلة السوبر-نوفا وغيرها، والأهم هل عرف الإنسان قدره أمام عظمة خالق هذا الكون المعجز....

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. صدق الله العظيم

تعليقات