" نَفّْسيةٌ مُبَعْثَرة وعالَمٌ مجهول" بقلم أسامة شعبان | وطني نيوز


" نَفّْسية مُبَعْثَرة وعالمٌ مجهول " 
بقلم: أسـامـة شـعـبـان 


 لا يملك ذكريات، ولا يحب التجمعات يميل للوحدة او بمعنى دقيق يُحب الإنعزال، ليس لديه هَوَّس التقاط الصور، ولا تكوين علاقات جديدة، شخص يتشبث بآخر قشة قد تنجيه من الغرق... لا يُكابر، لا يتمادى في الخطأ... لا يدعي المثالية، هو فقط ذاق مرارة الألم فخشيِّىَ المُضي اتجاهه فهو يعلم أنه حتمًا سيأتي... لكن يُحبَذ أن يأتي الإبتلاء دون تَدَخله ولا يكن سببًا في حدوثه، فهذا الخيط الرفيع هو ما يفصل بين ما إذا كان الإبتلاء نعمةٌ في ظاهره وباطنه، أم عقاب في ظاهره نعمةٌ في باطنة.... فهو يعلم علم اليقين أن كل الإبتلاء خير.


 كالغيبوبة تنام رُغمًا عنك وتَفيق على رواية لم تشارك في كتابتها؛ رواية حُدِّدَت كل شخصياتها حول محور واحد "البطل"، لكنه استيقظ دون منطق... الصدمة أقوى من ان يستوعبها عقله، كيف؟، و متى؟، و أين؟ كلها أسئلة لا إجابات لها، لأنها تفوق العقل البشري، اخر ما يتذكره شجاره مع صديق له في ملعب المباراة حول هل هذه الكرة ركلة جزاء؟ ام ضربة حرة من خارج المنطقة؟! لكنه لا يعلم أن هذه الذكرى التي يظنها من بضعة دقايق او ساعات، قد مر عليها بضعة اسابيع وتجاوزت ذكراها الشهر كاملاً، بضعة أيام من العزلة الفكرية التي ارغم عليها بدا له كل شيء على الفطرة الأولى كالطفل الذي سيمر بمراحل كالحبو، ثم الوقوف فالسقوط، فالاعتدال، أو كإنتظار الكلمة الأولى التي سينطقها طفلك البِكْر، التي تأتي بعد مجموعة من المهاترات الغير مفهومة والأحرف المُبعثرة.

وجد نفسه بين عَشيةٍ وضُحاها مُكَلَّفٌ بتجهيز حقيبة سفرهِ لكنه لن يغادر البلاد ككل الراحلين، بل عليه أن يُلَمّْلِمَ ما تبقى من روحه ويجمعها ليُقيمَ عليها ما هو اتٍ، تعاهد مع نفسه أمام الله أن يتجاوز كل هذا، وينهض من جديد ليكافح بكل فخر في مواجهة هذا المصير المجهول الذي ينتظره، جمع شتاته وحاول ان يُنقِذَ ما يمكن إنقاذه، لكن وا اسفاااه لم يجد ذكرى يضعها في حقيبة سفره، تخلت عنه كل الذكريات في وقت كان بأمس الحاجة إلى كل منها، فلم يجد سبيل أخر لتلك المُعضلة التي يواجهها سوى " أن يَرحل عن ما فَقَدّ "، وتذكروا هذه الجملة كثيرًا، سَيُبنى عليها مصير عالمه المجهول.


وجد نفسه لا يفتقد أشخاص ولا أماكن، ولا لحظات مع أحدهم، لا يفتقد ذكرى معينة، كل ما يفقده جزءًا من مُتعلقاته الشخصية التي فَقَدها رُغمًا عنه في إحدى الطرقات عندما صدمته سيارة أحدهم وهو في السابعة عشر، وجردته من هويته، جردته من نفسهِ حتى، وخَلَقت شخصًا جديدًا، ومع زيادة معدل الفقد أُصيبَ قلبه بالبلادة، أو لنقل انه فقد الرغبة تجاه معظم الأشياء فقررَ أن يرحل عن ما فقد والا يبكي على المفقود حتى لا يفقد الموجود.. فليس سهلاً عليه أن ينسى سبعة عشر عامًا من حياته، لا يتذكر فيها سوى الإطار العام الذي كان يُغلف حياته، كممارسة كرة القدم، أو التفوق في دراسته، أو حتى كونه شخص يحب العزلة، هذا كل ما يتذكره عن نفسه التي لم يعد يمتلكها، والتي تتنافى تماما مع شخصيته الحالية التي لا تتوافق معها إلا في شطر واحد من قصيدة الحياة الا وهو " التطلع للأفضل والسعي الدائم" هذا المبدأ الذي يرجع الفضل لوالده الذي سعى جاهدا أن يُحسن غرس بذرة تنمو بفخر امام عينيه، لكنه لا يملك خيار اخر سوى الرحيل بنفس متصالحة عن كل ما فقده.

فقد الرغبة اتجاه معظم الأشياء... لكن ثبت في قلبه اليقين، زاد يقينه، زادت خبراته، زاد معدل فقده، لكنه تَعَلَّمَ الصبرَ، تَعَلَّمَ أن في الإبتلاء خير، تولد بداخله شعور الخوف من خسارة جديدة وحب المغامرة والسعي للحصول على ما يريد،... أما هذا العالم المجهول الذي وَلَّج إليه رُغّْما عنه أصبح مَمْلَكَتُهُ الخاصة يا صديقي.

تعليقات

  1. رائع جداً
    جزاك الله خيراً، المقال ف وقته تماما، ادام الله قوة قلمك ورفع شأنك وحقق لك ما تتمني

    ردحذف

إرسال تعليق