متابعة/ محمد سمير
في بيان يُسلط الضوء مجددًا على إشكالية الإقليمي مع الأزمات المركبة في منطقة القرن الأفريقي، أثارت التصريحات الأخيرة الصادرة عن الاتحاد الأفريقي والتي تتحدث عما وُصف بـ "التوتر بين مصر وإثيوبيا وإريتريا" موجة من الاستغراب والاستهجان في الأوساط السياسية والدبلوماسية المصرية.
الرد المصري الجازم لم يتأخر؛ حيث عبر مصدر مسؤول عن دهشة القاهرة القاطعة تجاه هذا الطرح، مؤكدًا أن البيان يمثل محاولة غير مفهومة ولا مسوغ لها للزج باسم مصر في شأن إثيوبي داخلي بحت، لا ناقة للقاهرة فيه ولا جمل.
تشتيت الأنظار عن جوهر الأزمة
تشهد إثيوبيا منذ فترة اضطرابات وصراعات داخلية متصاعدة تتصل بتوازنات السلطة وإدارة الأقاليم والتحديات الاقتصادية والأمنية الهيكلية التي تواجهها أديس أبابا. هذه التطورات، بشهادة جميع المراقبين والمحللين الدوليين، هي نتاج تفاعلات وسياسات داخلية إثيوبية خالصة.
ومن هذا المنطلق، فإن الإيحاء بوجود "عامل خارجي" أو إدخال مصر في معادلة الصراع الداخلي الإثيوبي لا يمكن تفسيره إلا كونه محاولة للهروب إلى الأمام، وتصدير الأزمات الداخلية إلى الساحة الدولية، وتشتيت الانتباه عن الجذور الحقيقية للمشكلة الإثيوبية.
سياسة مصريّة ثابته: عدم التدخل والاحترام المتبادل
طالما كانت السياسة الخارجية المصرية قائمة على ثوابت راسخة تتلخص في احترام سيادة الدول، وعم التدخل في الشؤون الداخلية للجيران، والحرص على استقرار منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي باعتبارها عمقًا استراتيجيًا مكملًا للأمن القومي المصري.
ولطالما فرّقت القاهرة بوضوح بين خلافاتها الفنية والقانونية المباشرة مع أديس أبابا حول ملفات محددة مثل إدارة وسد النهضة وحقوق مصر المائية التاريخية، وبين الأزمات الداخلية الشاملة التي يعاني منها الداخل الإثيوبي. فالقاهرة لم تسعَ يوماً لاستغلال الاضطرابات الداخلية لإثيوبيا، بل على العكس، طالما أكدت أن إثيوبيا موحدة ومستقرة هي الأقدر على بناء شراكات متوازنة ومستدامة مع جوارها الإقليمي.
المطلوب من المنظمة القارية: حيادية وواقعية
إن خلط الأوراق وإقحام أطراف إقليمية في أزمات محلية لا يخدم جهود السلام، بل يعقد المشهد ويمنح الذرائع للتهرب من الاستحقاقات السياسية والاجتماعية التي يتطلبها الحل الداخلي في إثيوبيا.
كان الأجدى بالاتحاد الأفريقي، وهو المنظمة القارية المنوط بها حل المشكلات الأفريقية بأيدٍ أفريقية، أن يركز جهوده على دعم الحوار الوطني الإثيوبي التوافق الداخلي، وتقديم مقاربات واقعية تعالج جذور التوتر، بدلاً من إصدار بيانات تفتقر إلى الدقة وتلقي باللائمة على طرف خارجي لم يكن يوماً طرفاً في النزاع الداخلي.
تظل مصر متمسكة بدورها الإقليمي المسؤول، وبمواقفها الشفافة والمشروعة، داعية المؤسسات الأفريقية إلى توخي الدقة والحيادية، والتعامل مع الأزمات بحجمها وأسبابها الحقيقية بعيداً عن سياسة إسقاط اللوم وإقحام القضايا الداخلية في أزقة التجاذبات الإقليمية.
